منتدى آفاق الفلسفة و السوسيولوجيا و الأنثروبولوجيا

البحث الأنثروبولوجي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

default البحث الأنثروبولوجي

مُساهمة من طرف أميـنة في السبت مارس 14, 2009 2:30 pm

إن الإثنولوجيا تهتم بالكشف عن بنيات المجتمعات الإنسانية، من خلال دراسة أوجه الشبه بينها و تحديد العلاقات التيبين أفرادها. و هي بذلك تعتمد على علوم أخرى: مثل الأركيولوجيا، الإثنوغرافيا، علم الاجتماع و الأنثروبولوجيا. و لم تستطع الاثنولوجيا الاستقلال عن العلوم الإنسانية الأخرى إلا في عام 1930. و يعتبر هيرودوت - القرن الخامس قبل الميلاد - من الأوائل الذين أرخوا لهذا العلم، من خلال الملاحظات حول الشعوب التي كان يزورها أثناء رحلاته. و كان قد صنف تلك الشعوب، وفق رؤيته الخاصة لثقافتهم؛ إلى برابرة بالمفهوم الإريقي، إزاء الشعوب الأكثر تحضرا مثل الميديين و المصريين. أما في العصور الوسطى فلم تكن الضرورة ستمح للعلماء بالبحث خارج إطار المسيحية، كعقيدة و كثقافة. إلا في حدود ضيقة بالنسبة للشعوب المجاورة مثل العرب. إلا أنه فيما بعد، عملت أغلب و أشهر الأبحاث على الكشف عن مجتمعات جديدة مثل المجتمع الهندو-أمريكي. إلا أن أغلب أولئك العلماء رفضوا أن ينعتوا تلك الشعوب الجديدة بأوصاف بشرية و اعتبروها كائنات غير إنسانية. و اعتبروا تلك الأراضي جزءا من فردوسهم الذي كان مفقودا. في القرن 17، توجه الباحثون إلى محاولة تصنيف المجتمعات ، ما دام العلماء قد حددوا من قبل، من هم اليهود كمجتمع و من هم الإغريق و المصريون... و ظل السؤال المطروح لديهم هو: إلى أي وججهة يمكن تصنيف تلك الشعوب التي يعتبرها أغلبهم متوحشة؟ منهم من التجأ إلى عامل المناخ و البيئة؛ و اعتبر أن المجتمعات تختلف باختلاف بيئاتها ، و هذا ما جاء به الأب ساغار. و اعتبر غير الأوربيين عاجزين عن الابتكار. إلا أن هذا الرأي ما فتئ أن تجووز بمجيء عصر الأنوار، حيث تمت نشأة الأنتروبولوجيا، و هي الهدف المشترك للفلاسفة و العلماء و الباحثين الرحل و الطبيعيين. فقد انطلق هؤلاء من فكرة أن المجتمعات تتأثر - بدرجة أولى - بمحيطها. فكان أن انتقد مونتسكييو نظرية المناخ التي قال بها الأب ساغار. أما فولتير فكان أول من اعتمد الوثائق الاثنوغرافية بطريقة موضوعية. إلا أن جون جاك روسو عمل على دراسة المؤسسات الاجتماعية من خلال إنكار سمة الوحشية على تلك المجتمعات. في هذه المرحلة - أي القرن 18 - كان الطبيعيون يطرحون إشكالية المجتمعات البشرية الموجودة قبل الإنسان ، حيث حاول الباحث كوكي تقسيم تلك المراحل إلى مرحلة استعمال الأحجار ثم المعادن و أخيرا مرحلة استعمال الحديد؛ و هي المراحل التي أصبحت فيها تلك الكائنات إنسانية. في القرن 19، أصبح للجيولوجيا دورها الهام في الكشف عن بعض جوانب الغموض المتعلقة بتاريخ المجتمعات البدائية ، استنادا إلى مقاربات أنثروبولوجية و عرقية. فكان بوشي دو بيرت رائد هذه المرحلة، حيث نشر عام 1864 بحثه حول " برهنة الجيولوجيا على أقدمية الإنسان " . فيما بعد أصدر الفيلسوف و العالم داروين كتابه " أصل الأنواع " ليتحدث عن الإشكالية المطروحة آنذاك، هل الإنسان يعود إلى نوع واحد، و يعتبر ذاك النوع أصلا له، أم أن جل الأنواع الموجودة ظهرت في فترة زمنية واحدة، و في أماكن مختلفة من العالم. في بداية القرن العشرين ، تطورت الأبحاث بفضل البعتات و الإرساليات. و بفضل العلوم المختصة بدراسة الإنسان، مثل: دراسة العظام التي تحدد من خلالها الأنواع و الأجناس، إلى جانب دراسة سائر أجزاء الجسم البشري، إذ استطاع - بفضل ذلك - مندل و نودان تحديد التقنيات المتعلقة بنظام الوراثة. في أوائل القرن العشرين ، أوضح الباحث هيرتزفيلد بأن فصيلة الدم تسهم في تحديد العنصر الوراثي. بعد ذلك أظهر مورغان في كتابه " المجتمعات القديمة " مراحل نمو و تطور المجتمعات : مرحلة التوحش - البربرية - الحضارة. و قد لعبت أبحاث مورغان دورا كبيرا في التلأثير على فكر مارس و إنجلز . في هذه الأثناء تطورت عدة دراسات متعلقة بثقافة المجتمعات البشرية، فشغلت بذلك المفاهيم الوظيفية حيزا من الأهمية مع مالينوفسكي الذي ركز اهتمامه على المؤسسات الاجتماعية إزاء وظائفها وفق حاجيات الأفراد ، فالرغبة في العلم تتطلب وجود مؤسسة تعليمية ، و الرغبة في الراحة تتطلب وجود مسكن، و الحاجة للأمن و الاستقرار تدعو إلى وجود مؤسسة أمنية و عسكرية... بالنسبة لباخوفن 1861- اهتم بنظام القرابة، في حين ركز تايلور على حدثي الموت و الحلم كأساس لخوض تجربة الخوف من العالم العلوي، و من تم محاولة السيطرة من خلال توظيف عناصر الطبيعة و خلق مفاهيم دينية. أما في الولايات المتحدة الأمريكية، ظهر بواس و لوي كمهتمين بهذا المجال، إذ صبا اهتمامهما على ما هو مختلف في الثقافة الإنسانية للكشف عن العنصر الموحد. أما ليفي برول و فرويد و دوركهايم ( و هم علماء اجتماع فرنسيون) فقد أوضحوا أن الدين ليس ظاهرة فردية، و لا يمكن تفسيره بالحلم أو الموت بل هو ظاهرة اجتماعية. بالنسبة لفرويد انتقل من ميدان التحليل النفسي إلى مجال الأنثروبولوجيا بمقارنة الأمراض العصابية و الذهانية عند الأطفال ببعض السلوك و الطقوس الممارسة من لدن الأقوام البدائية، خاصة في مالينيزيا و بولينيزيا. و خلصإلى القول إن هذه الأقوام تشكل طفولة المجتمعات البشرية. لم تبدأ الإثنولوجيا الحديثة كعلم دقيق إلا بعد الحرب العالمية الأولى ، مع ليفي شتراوس صاحب النظرية البنيوية. فقد اعتبر أن الأحداث داخل أسطورة معينة يجب أن تصنف إلى أحداث صغرى و أخرى كبرى كما نصنف أوراق اللعب. و أكد على ضرورة الاشتغال في الساحة لأجل الاحتكاك بالمجتمع المدروس، و تقديم تحاليل موازية لما يلحظه الباحث عن قرب. لقد كانت أبحاث الأنثروبولوجيين القدامى مبنية على الصدفة بدرجة أولى لاعتمادهم على نتائج المستكشفين و المغامرين و المرسولين في بعثات شبه عسكرية. لذلك كانت تنقصها الدقة. و من تم كانت الضرورة ملحة للاتصال مباشرة بالمجتمعات المدروسة . جل تلك البحوث و الدراسات و النظريات... شكلت أرشيفا ضخما للتاريخ البشري. فالإثنولوجيا ، إذن، استجابة لطموحات الإنسان في معرفة الشعوب البعيدة، و إن كانت أمم ما تزال تحتفظ لنفسها بسبل عيش جد بدائية.

وتتأكد سلطة الأب الجمعي من خلال نمط العيش القائم على الترحال، بدرجة أولى، فهو " حركة للبنية السكنية و الاجتماعية ككل . فالعشيرة تنتقل تنتقل خيامها و أسرها و رعاتها و لا يغير التنقل من تلك البينة، فالخيمة سكن ليس له أي باب تقريبا. فهي مجال مفتوح . فالباب يفصل بين الداخل و الخارج أو على الأقل يقنن تبادل التواصل بين الداخل و الخارج. و الخيمة كسكن مفتوح ، هو نوع من الانفتاح يجعل المجال الداخلي الذي يحتضن العائلة في استمرارية و في تواصل مع المجال الخارجي ( الدوار) ، و الدوار هو مجموعة من الخيام مفتوحة الواحدة على الأخرى . " لا يحمل الدوار دلالة الانفتاح لأنه مجموعة من الخيام فقط؛ بل لأن المنظومة الثقافية التي تحكم مسار السلوك اليومي لدى الأهالي تنبني على مفاهيم تؤكد تلك الدلالة " الانفتاح - التواصل مع الآخر - الروح الجمعية و المشتركة" من خلال معطيات، تتمثل بدرجة أولى، في عنصر الجد الأول المشترك، و المواسم السنوية التي تؤكد وحدة النسب لأبناء القبيلة الواحدة، أو المتعددة، و الأكلة المشتركة، و هي وجبة توطد العلاقة بين الأفراد ؛ و أخيرا الأب الجمعي الذي تتعمم من خلاله سلطة ذات طابع لاهوتي. و لجل هذه الاعتربارات، نجد تفسيرا للنسق القرابي داخل المجتمع المحكي و الواقعي على حد سواء. فالعم مثلا؛ ليس هو أب الأخ فقط ، بل هو كل من ينزل منزلته، لذلك تخول له القبيلة القيام بدور المربي أثناء غياب العم أو الأب الحقيقي، بمعنى أن جل رجال القبيلة هم أعمام و آباء لأفرادها ، و من ثم يكون النسب القائم على سلطة " الأب الجمعي " أكثر توطيدا للعلاقات بين الأفراد أحيانا كثيرة، من النسب بالمصاهرة أو الدم. و لا يتأكد مفهوم الاتصال بين الأفراد من خلال نمط الترحال فقط، كما أن الانتقال إلى البناء بالآجر ليس دليلا على الفردانية على اعتبارأن الباب، كما ذكرت رحمة بورقية، في كتابها " الدولة و السلطة و المجتمع / دراسة في الثابث و المتحول في علاقة الدولة بالقبائل في المغرب" لا يشكل فاصلا بين الداخل و الخارج، و لا ينفي الروح الجماعية لأفراد القبيلة الواحدة. إنني أعتبر، على هذا الأساس، أن أنماط العيش التي يسلكها السكان الرحل أو المستقرون ( الخيمة / البيت بالآجر) تسهم في توطيد الصلة بين جل الأفراد، على اعتبار أنها أنماط تمنح من الناحية القانونية، الحق في ملكية الأراضي الفلاحية و المراعي بشكل جماعي، إلى جانب إحياء العلاقات القرابية و السلالية من خلال نظام السوق و هندسة بناء المنازل و أنساق القرابة التي تحكم السلوك اليومي، إلى جانب نظم اجتماعية أخرى. فالسوق يعتبر إطارا منفتحا على أطراف القبيلة المعينة و التحاما لأفراد نفس القبيلة؛ إذ يجددون الاتصال فيما بينهم خلال كل دورة أسبوعية لتجمع التجار، . و قد تطرق برونيسلاو مالينوفسكي إلى الدور الذي يلعبه السوق في توطيد الصلات بين الأفراد، من خلال دراسته لقبائل تروبرياند في ميلانيزيا شمال الطرف الشرقي من غينيا الجديدة. إذ تمثل حلقة "الكولا" نموذجا لنظام السوق القائم على الانفتاح على الآخر، فالمشاركة في نظام الكولا تربط بعض أفراد المجتمع المحلي بأفراد يعيشون على الجزر المجاورة . و يمثل نظام الكولا عند سكان القبائل الميلانيزية نوعا من المقايضة التجارية التي تخضع لأنساق طقوسية تحتل قيمة عالية، و يرتبط الأفراد الذين ينتمون إلى حلقة معينة من المشاركة في الكولا، أي أن المشاركة تربط أفراد مجتمع معين بأفراد يعيشون على جزيرتين تقعان في الطرفين المقابلين للجزيرة التي يعيشون عليها.لا يخرج نظام السوق الأسبوعي المغربي عن الدور الانفتاحي علىالقبائل المجاورة. فهو محل لاتخاذ القرارات و مجال سياسي قبل الاستقلال ، و لا يزال موقعا تتجدد من خلاله الصلات القرابية و السلالية. و ليس السوق وحده الذي يوطد الالتحام القبلي، بل هناك ممارسات أخرى قد تكون طقوسية مثل المواسم السنوية التي تقام في الأضرحة ، و الوجبات الجمعية، و مفهوم الأب الجمعي... بالنسبة للوجبة الجمعاعية، فإنه تتدخل مفاهيم عديدة تحكم الفكر الشعبي المغربيمثل مفهوم الأب الجمعي، الذي يخضع جل أفراد الجماعة ( القبيلة - الدوار - القرية ) لنظام موحد و إن على المستوى الطقوسي ليس إلا. أي خلال تلك المراسيم التي يؤديها أفراد الجماعة المعينة، أثناء تجمعهم السنوي وفق شروط معينة من صمنها: النتماء الجماعي لجد موحد تنضوي تحت لوائه جل مكونات القبيلة من أفراد و طقوس و ممارسات تؤكد النتماء ذاته. و تتصل الطقوس الممارسة إزاء الوجبة الجماعية المعينة بمفهوم الانتماء الموحد أكثر من اتصالها بمفهوم الانتماء الترابي ، مما يجعل عنصر النسب الموحد أكثر توطيدا للصلة بين أفراد الجماعة المعينة أكثر من مفهوم الانتماء الترابي. و دليلنا على هذا الطرح، هو مغادرة أهالي القبائل النائية قراهم في شكل جماعات قصد الحج إلى ضريح ( الولي الصالح ) حيث تلتقي وفود ذلك المكان لإقامة الموسم على اعتباره يؤشر للوضعية البدئية التي كانت عليها تلك القبائل الوافدة من قبل، و هي وضعية تتوحد ضمنها الجماعات ذات النسب الواحد تحت إمرة و حماية الجد الأكبر. إلى هنا نطرح سؤالنا: ما الذي جعل الوجبة المشتركة و السوق الأسبوعي و ضريح الولي الصالح...إلى جانب معطيات عديدة، تكون دافعا لإحياء روح التوحد و التكثل بين قبائل نائية تفصل بينها مفارقات جنسية و طبيعية و لغوية؟ إن الأمر متعلق إذن بمفهوم الشعور الجمعي الذي يتأسس بدرجة أولى على العرف و الأنظمة و العادات التي تتخذها كل جماعة على حدة، على اعتبار أن مثل هذه الطقوس و الاحتفالات تسهم في المشاركة الاجتماعية و في التكافل الاجتماعي و من ثم تسهم بطريقة أو بأخرى في خلق مجموعة من الإشباعات الانفعالية المتمثلة في اندماجه الكامل في المجموعة ثم في تأكيد طمأنينته.

أميـنة
طالبة أنثروبولوجيا
طالبة أنثروبولوجيا

انثى عدد الرسائل : 156
تاريخ التسجيل : 30/01/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى