منتدى آفاق الفلسفة و السوسيولوجيا و الأنثروبولوجيا

سوسيولوجيا الكتابة على الجدران :تيمة الجسد والسلوك الجنسي الجزئ3 من الدراسة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

default سوسيولوجيا الكتابة على الجدران :تيمة الجسد والسلوك الجنسي الجزئ3 من الدراسة

مُساهمة من طرف الزاهيد مصطفى في الجمعة سبتمبر 25, 2009 10:32 am

ثانيا: نبذة تاريخية موجزة عن التحليل النفسي :

أدى ظهور التحليل النفسي إلى إعادة النظر في مفاهيم كثيرة: النفس و العقل ، الإرادة والوعي ،المعنى و العقلانية وغيرها من المفاهيم الأساسية في ميدان السيكولوجيا .كما وجه ضربة قاضية للنزعة الإنساني الساذجة وللكوجيطو الذي اعتبر أساس الفكر الحديث .كان الكوجيطو شك في الأشياء و في موضوعات العالم الخارجي و يقينا في الذات .لكن التحليل النفسي حول الكوجيطو إلى ديبتو(dubito) ذاتي أي إلى الشك في الذات نفسها ، وبين أن فيها شرخا عميقا يفصل بين واقعها الفعلي المحتوم وبين صورتها عن نفسها وهو ما دعي بجدل الرغبة و الحقيقة.
يعلن فرويد في كتابه " حياتي والتحليل النفسي"(1925) وهو ما يتأمل في أصوله العلمية الخاصة ، أنه ظل محفوزا " بنوع من المعرفة ، لكنه تعطش يخص العلاقات الإنسانية مما يخص الموضوعات الخاصة بالعلوم الطبيعية ".كان فرويد يحاول أن يؤسس علما للعلاقة ، كما أن المرتكز التاريخي للتحليل النفسي قد تحدد بالقياس إلى الطب أو الطب العقلي للفترة المعاصرة لفرويد (مشكل فيزيولوجيا الأعصاب ، بنية الدماغ و الترابط بين ما هو فيزيائي و ما هو سيكولوجي ، وهي القضايا التي ظل ذهن فرويد منتبها إليها .إن أول اكتشاف يقودنا إليه التحليل النفسي هو إن الأعراض ترتبط بصورة مطردة بحياة المريض الخفية ، وهو يبين لنا أن الرغبات الممرضة هي من طبيعة المقومات الإيروسية، ويرغمنا على اعتبار اضطرابات الحياة الجنسية علة من أخطر علل المرض ، يقول فرويد " التحليل النفسي معتاد على كشف الأشياء السرية و المخبأ في بحر التفاصيل التي لا نعيرها انتباها و اهتماما ، وفي ملاحظتنا المهملة إذا صح التعبير " .فالخلاف الذي ساد بين المفكرين والفلاسفة و علماء النفس هو تحديد الطابع المسيطر و المهيمن على الطبيعية الإنسانية ، بتعبير آخر ، ما هي الفعالية المسيطرة الموجهة للإنسان؟ هل هو العقل أم الغرائز؟
هنا يمكن إعتبار الطبيعة الإنسانية بمثابة معطى مطلق وشامل لا تتأثر باختلاف الظروف الطبيعية و الإجتماعية و الثقافية .بل هي واحدة ثابتة في جميع البيئات و المجتمعات و الثقافات .
ينسب أفلاطون كل الصفات المثالية و السامية إلى العقل ، وما الجسد إلا إعاقة لعرقلة اتصال العقل بعالمه المثالي ، ولذلك كان لابد من ضبط شهوات الجسد وملذاته لتوفير النقاء و الطهارة للعقل لمعرفة الحقيقة . أما" شوبنهور" فيؤمن بان الإرادة هي في جوهرها قوة لا عقلانية ، لا واعية فهي القوة المحركة لمختلف الأفعال البشرية و للعملية التاريخية ككل ، وقد أسهم التحليل النفسي في ردم الهوة بين الثنائيات التقليدية التي سادت الفكر الغربي لفترة جد طويلة و التي رسختها فلسفة الوعي بين الجسم و النفس ، بين العادي و المرضي ، بين الخيال و الواقع، بين الجماعي والفردي ، وكشف عن الغيرية في قلب الأنانية .وعن الأنانية في صلب الغيرية ، وعن المثال في الواقع و الواقع في المثال .لقد أصبح من الممكن بعد التحليل النفسي التساؤل عن الإنسان ككائن عاقل/أحمق ، كائن يتصارع فيه العقل و اللاعقل ، مبدأ اللذة ، و مبدأ الواقع ، دوافع الحياة ودوافع الموت ، الرغبة و الحكمة.
على وجه الإجمال يعتبر فكر فرويد امتدادا لفكر الأنوار و تلبية لدعوته بتسليط نور المعرفة على المجاهل النفسية اللاواعية وغير المعروفة .وقد كان مشروع فرويد هو الكشف عن النقطة المظلمة في النفس و تسليط الضوء عليها آملا في إحلال الأنا مكان الهو ،وإخراج اللاشعور إلى حيز الوجود و الشعور الواضح . وهو ما يجعل فرويد من هذه الزاوي – كما يقول ماركوز- أكثر المفكرين عقلانية في الفكر الحديث ، وأكد ميشيل فوكو في مؤلفه "تاريخ الحمق" أن التحليل النفسي كان بمثابة إكمال للطلب العقلي في القرن 20.و يمكن القول أن الفكر الإنساني أصيب بثلاث طعنات ، ولدت فيه الخيبة والشعور بالنقص ، كما حطمت نرجسيته و هزت ثقته بنفسه:

*الأولى :الطعنة الكونية التي أتت عن طريق كوبرنيك( الثورة الكوبيرنيكية).

*الثانية:الطعنة البيولوجية التي أتت من نظرية النشوء و آلإرتقاء لداروين.

*الثالثة :الطعنة السيكولوجية التي أتى بها فرويد عن طريق التحليل النفسي ، الشيء المميز لهذا الإكتشاف الجذري ، أن الإنسان الذي كان يعلم أنه ليس سيدا لهذا الكون ، وليس سيدا للكائنات الحية ، اكتشف أنه ليس أيضا سيدا لنفسه ، إن هذه الطعنة الآخيرة أدت إلى اكتشافات أساسية حددت لاحقا كل فكر فرويد وهي :

* اكتشاف اللاوعي الذي يتميز: بنشاط لاشعوري في الجانب الأكبر منه ،أما الجانب الشعوري منه فهو لا يتعدى جزءا صغير يعمل وفق قوانين خاصة ، الإزاحة ، التكثيف، الإستعارة ، الكناية،و الأحلام هي الطريق الملكي إلى معرفة ما هو لاشعوري في الحياة النفسية.

*الدينامية الجنسية :محور أساسي يكمن في اللاوعي ، ويحرك الإنسان في حياته الفردية و الإجتماعية .
-الرغبات الجنسية قوة محركة للإنسان وأساسية لكل ما هو موجود.
-الرغبات الجنسية تشارك بشكل مباشر في خلق القيم الثقافية ، والإجتماعية و الأخلاقية و الفنية لنفس البشرية .

*تطوير النزوات : النزوة مفهوم حدي ما بين النفسي و الجسدي ، ترتبط بالنسب لفرويد بفكرة الممثل النفسي ، يقول فرويد " إننا نفترض أن ثمة نوعين من النزوات ، مختلفتين اختلافا جوهريا ، ونعني بهما النزوات الجنسية بأوسع معانيها أي "الإيروسeros" و النزوات العدوانية التي تستهدف التدمير ، و هاتان النزوتان اصطلح التحليل النفسي على تسميتهما نزوات الحب و نزوات الموت.
ثانيا :مقاربة التحليل النفسي للجنس:

يبدو من خلال الأسطورة التي أقيمت حول التحليل النفسي منذ بداياته أن الجنس هو الإكتشاف الرئيسي لعلم سوف يكرس لدراسته حصرا.ووفقا لهذه الميثولوجيا ، سيصبح فرويد رائد السيكولوجيا ، أنه ذلك الذي يكشف النقاب عن الرغبات الخفية لجنس منحرف فهذا الإكتشاف يعتبر بمثابة " القضية الكبرى " لهذا العلم الناشئ الذي قال بوجود الجنس في كل أنشطة الحياة . لقد كشف فرويد في الحياة الوجدانية للطفل عن عناصر جرت العادة على إسنادها لجنس الراشد ، كالميل إلى المداعبات و التعلق بمواضيع الحب ، واللذة في التألم ، أو في إيلام الآخرين (المازوشية و السادية). وهي علامة لاحظها فرويد في نشاطات لم تكن تعتبر إلى ذلك الوقت سوى مودة عائلية حميمة ( الإسعافات الأولية في العناية بالنظافة الجسدية ، وتعلم التغوط....).
و قد استطاع "جورج كروديك"(1866_1934) أن يصف النشاط الجنسي الطفو لي بطريقة مألوفة أفضل مما كان يفعل فرويد حيث يقول"إن هذا الطفل الذي كان يبكي قبل قليل أثناء غسلنا لوجهه...قد هدأ فجأة عندما مررنا الإسفنجة الناعمة بين ساقيه الصغيرتين.إذ يعبر وجهه بشكل مفاجئ عن نشوة حقيقية جعلته يتوقف عن الحركة .كما أن الأم التي كانت من قبل تنصح الطفل و تسليه من أجل مساعدته على تحمل عملية الغسل غير المرغوب فيها أصبح صوتها يحمل نبرات عذبة و عطوفة ، بل يمكن أن أذهب إلى حد القول أنها نبرات شقية ... إن العملية الإيروسية تتحكم لذا الأم والطفل معا في التعبير عن المتعة ".
يصنف فرويد، ميولات الجنس الطفو لي في اتجاهين وثلاثة مراحل:
يتمثل الاتجاهان في" الشبقية الذاتية" و "التوجه نحو اختيار الموضوع الخارجي من جهة ، وتنظيم الجنس تبعا لسيادة "المنطقة ا لتناسلية "" باعتبارها "العملية التي تدخل الحياة الجنسية بفضلها في خدمة إعادة إنتاج الجنس البشري " من جهة أخرى يقول فرويد "إن الحياة الجنسية لذا الطفل ، التي تتميز بالهشاشة و التعقد و التفكك والتي تميل فيها الغريزة إلى الحصول على المتعة ، تتكاثف وتنتظم في اتجاهين رئيسيين على الرغم من أن الخاصية الجنسية للفرد غالبا ما تكون قد تكللت بالنجاح في نهاية مرحلة البلوغ".
يتم كل شيء كما لو أن الجنس الطفولي يتميز بعدم الإنتظام و التفكك وتعدد الأشكال ، وفي مقابل هذا التنوع الذي فقد إلى الأبد ،ينموا الجنس عبر ثلاثة مراحل :

1-المرحلة الفمية التي يتم فيها الحصول على المتعة عن طريق الفم.
2- المرحلة الشرجية التي يتم فيها الحصول على المتعة من خلال الاحتجاز و الإخراج الشرجيين.
3- المرحلة التناسلية التي تعتبر المرحلة النهائية الشبقية.

لقد صادف فرويد الجنس في سياق اهتمامه بالمسألة الطبيعية ، وذلك في الحقل الذي وجه التحليل النفسي في بعده العلاجي الهستيريا، إذ استخدم فرويد الأعراض الهستيرية للبرهنة على وجود بعض التفاعلات بين الجسدي والنفسي ، حيث يمكن للاضطراب أن يكون السبب في معاناة الذات من مرض معين وفقا للتفاعل القائم بين النفسي و الجسدي.


التحليل النفسي والكتابة :

نجد في هذا الميدان "ميلاني كلاين"m. klein ، قد افتتحت طريقا قائما على أساس تأويل رسوم الأطفال و الألعاب ،و من خلال هذه التأويلات تقوم ميلاني بقراءة شخصية الطفل ، إذ لاحظت بأن رسوم كل طفل غالبا ما تعبر عن ما هو جنسي أي ما هو مكبوت. وقد واصل المحلل النفسي الانجليزي "وينكوت"d.w.winncott السير في هذا الطريق استخدام تقنية " الخربشة " التي لا يتم فيها في البداية سوى تأويل البدايات و النهايات و تعرجات الخطوط .
سيقوم فرويد في كتابه الكبير والضخم " علم الأحلام" الذي أرخ له سنة 1900 ، وفيه يقوم بتحليل بعض النصوص ، متخذا من الأحلام أشكالا من اللغة يتعين تفكيك عناصرها من أجل إنشاء المعنى القائم وراء مظهر لا معنى له . فالكتابة نوع من التسامي من منظور التحليل النفسي ، وهذا ما نجده في بعض الكتابات الروائية التي تتضمن السيرة الذاتية ، وخاصة إذا كانت هذه الأخيرة تحمل طابوهات مثل رواية " الخبز الحافي " لمحمد شكري و رواية " جراح الروح" لمليكة مستظرف" .ثم الكتابات التي تعبر عن الخواطر في مذكراتنا الشخصية ، فالكتابة هنا هي افتضاض لبكارة الورقة من طرف القلم ، وهي نوع من التنفيس ، ويمكن اعتبار الكتابة في المراحيض نوع من السادية الموجهة للذات .و المازوشية نوع من العنف الموجه للآخر ، يعني أن الكتابة في هذا الفضاء ( فضاء المراحيض) نوع من الهروب من سلطة و رقابة الجماعة التي تكبح ما هو نفسي ، معناه أن سلطة الجماعة تقف حاجزا أمام التعبير عن الجسد و الجنس داخل المجتمع ، ويتم تعويض ذلك بالكتابة في المراحيض التي يعتبر جدارها صفحة بيضاء تتسع لكل الأجساد و السلوكات الجنسية من أجل نحتها و الإطلاع عليها من أجل معرفتها بعد أن كانت متجاهلة .

ثالثا :سوسيولوجيا الجسد و السلوك الجنسي ، نموذج فاطمة المرنيسي وعبد الصمد الديالمي:

ليس من السهل الحفر معرفيا حول موضوع الجسد والسلوك الجنسي و الإلمام بمختلف المقاربات التي تبنته باعتباره فضاءا للتستر و الكبح والقمع و "حشومة "، و"عيب"، و"عار"، و"حرام"، و "فعايل الزنقة"، أو "ما مربيش "، أو"سلكوطة"أو "سلكوط" أو "ستر راسك أو ستري راسك"... كلها مفاهيم خصبة لسوسيولوجيا تحتاج إلى " قابلة" من أجل مرور هذا المخاض بدون إجتراح ، قد يكون المولود مشوها لكن هناك أطباء تجميل ينتظرونه.وهم نحن السوسيولوجيين.داخل مراحيض الجامعة( بيوت الراحة)، هناك حضور لعبارة "أولاد القحاب" و"الزوامل"و"القواويد" و "بنات القحاب" و"بغيت لي يحويني"و" المغاربة زوامل".ليست هذه الكتابات إستتنائية بل متكررة ، وكلما تتكرر الشيئ أصبح ظاهرة إجتماعية .
هل نكون مخطئين باقتحامنا "لبيوت راحتكم"؟ هل نكون مجازفين مخاطرين ، في خدش حسكم المشترك ؟
لا نستطيع الإعتذار على اجتراحنا لفضائكم .لكن ما عسانا نفعل وحسنا السوسيولوجي و القلق العلمي يسكننا و الهوس الإبستيمولوجي في بداياته .أبى إلا أن يجعل منا مشاغبين و متجسسين و متربصين، بهذا المجتمع، بانفعالاته .بآنفلاتاته .وبتحولاته.هذا ما يصير إليه وما يجب أن يكون عليه طالب السوسيولوجيا إذا لم يصر هكذا (فمن سيفكك ، ويبيني ، ويفسر ويحلل و يساعد على فهم المجتمع وفهم ذواتنا؟؟؟؟

1- نموذج فاطمة المرنيسي:


لقد أبانت" فاطمة المرنيسي " منذ كتاباتها الأولى، عن شغب سوسيولوجي مهووس باقتحام كل ما هو طابو،"حشومة "، "عيب".إن مقاربة" فاطمة المرنيسي" لديناميكية العلاقة بين الجنسين ، التي حاولت أن تكون شاملة للمجتمع في كليته، كان التركيز فيها على رصد السلوك الجنسي داخل مجتمع إسلامي عربي عموما و مغربي خصوصا ، إن الدين كمكون للثقافة العربية ، والمغرب كبلد إسلامي، كان يفرض منهجيا على الباحثة التطرق لموضوع الجنس من وجهة نظر إسلامية ، سواء ما صرح به النص، آو ما صرحت به السنة، باعتبار الإسلام يشمل جوانب كثيرة ، إنه دين مجموعة من الطقوس و تاريخ و ذاكرة .
إن ما تركز عليه" المرنيسي" داخل بنية المجتمع العربي الإسلامي عامة، و المغربي خاصة ، هو العلاقة ين الجنسين وكيف يتم التحكم فيها، من خلال آليات القمع و الزجر و التحريم ،ومن خلال تحديد المباح و المحرم ، المقبول و المرفوض، من خلال التفاعل بين المرأة و الرجل .
تنطلق "المرنيسي" في كتابها "الجنس كهندسة اجتماعية "، من مقارنة بين التمزق الذي يعيشه الفرد العربي، من خلال التصور القائم على التناقض الداخلي، لذات: الخير و الشر، الجسد والروح، الغريزة و العقل ،( فنظرية الإسلام حول الغرائز أكثر تطورا و تقترب إلى حد بعيد من" المفهوم الفرو يدي للبيدو": فالغرائز الخام تشكل طاقة ، و هذه الطاقة خالصة ، بما أن فكرة الخير و الشر لا تترتب عنها مطلقا، ولا تطرح قضية الخير و الشر، إلا إذا اخذ المصير الإجتماعي للأفراد بعين الاعتبار .
فالفرد لا يحيا إلا داخل نظام اجتماعي ، وكل نظام اجتماعي يفترض مجموعة من القوانين التي تحدد إذا ما كان استعمال الغرائز قد أخذ وجهته الحسنة ، أم القبيحة ، وبالتالي فان طريقة استعمال الغرائز، هي التي تفيد النظام الاجتماعي ، أو تضربه ، وليس الغرائز في حد ذاتها .
فغريزة الفرد التي تعبر عن نفسها في شكل سلوك جنسي ( الرغبة في الممارسة، ربط علاقات مع الجنس الآخر ...)، تعتبر طبيعة بيولوجية في الفرد، فهو غير مجبر على التخلص من غرائزه أو التحكم فيها مبدئيا ، بل إن المطلوب هو ممارستها تبعا لما تفرضه الشريعة فحسب .
إن الجسد في هذه القراءة ، يصبح شجرة الولي التي تعلق عليها التمائم ، و المثقل بالقمع و القوانين ، الثقافة بمعناها الشعبي ، إن الجسد ككيان لا يعبر عن نفسه رمزيا إلا في النطاق المسموح به ، و المعمول به. إن قواعد اللعب داخل النسق الرمزي ، تسمح للجسد الذكوري بالانتشاء و التعبير عن ذاته في شكل ممارسة وسلوك ، بينما يكره الجسد الأنثوي على الإنزواء و التعبير عن نفسه في الماخورات و الحانات ، إن هذا التعبير للجسد الأنثوي مرفوض و مشجوب "بنت الزنقة"،" كاتبيع فراسها"، "ما عندهاش قيمة"، وتسمح للجسد الذكوري و تستهويه، " راجل "، "فحل "، راجل و نص"...
حينما يصبح الجسد الأنثوي سجنا، يعبر عن نفسه في شكل سلوك جنسي غير مقبول ومرفوض داخل النسق القيمي . لكن الجسد الذكوري يحتفل بسيادته مع هامش من الحرية ،إن داخل هذا الانتشاء الذكوري ، خوف من عودة السلطة إلى الجسد الأنثوي ، انه خوف من المجتمع الٲميسي الذي تحكم فيه المرأة و تسود ، تنتج و تستهلك ، تختار و ترفض . لكن إلى أي حد يسمح لهذا الجسد الذكوري بالتعبير عن سلوكه الجنسي ؟
إن هامش الحرية التي يتمتع بها الجسد الذكوري ، المتمثلة في تعبيره عن نفسه في شكل سلوك جنسي ، يبقى صوريا ، بحيث يضل كل سلوك مرتبطا بالتخفي و انتهاز الفرص ،انه يجد مبرره سلبيا، مستبطنا قرونا من القمع ،" السترة الى تبليتي". لكن في لحظة استرجاع الجسد لبطولاته في انتهازه للفرص و أحقيته في التعبير عن سلوكه الجنسي ، يحضر النسق القيمي شاجبا "ولد الحرام" ، كاتضرب غير من تحت الدف"، ففي هذه العبارات نجد " الهابيتوس" بالتعبير البيوردوي، رغم رضاه عن سلوك الذكر الجنسي ،يبقى متحصرا في غياب يقظته في إيجاد وسائل ضبط لمثل هذه الإنفعالات ، إنه يشجع لكن بدافع من "الشمتة "على إغفاله ، وعدم قدرته على إيجاد وسائل قمع لمثل هذه الانفلاتات.


2- نموذج عبد الصمد الديالمي :


هذا السوسيولوجي الذي لا يعرف المهادنة ، هذا السوسيولوجي المشاغب، خطاه وتيدة لكنها تربك العقل الجمعي و الحس المشترك ، بلغة الفلسفة و تخلخل ثوابته ، مهتم كثيرا بقضايا الجنس والسلوك الجنسي بالمغرب ، في ديناميكيته كمشروع علمي وسياسي في الآن نفسه. ففي نظره أن العلاقة بين الجنسين ، علاقة لا متكافئة ، لا يهمنا هذا اللاتكافؤ و الذي يجعل من الرجال مسيطرين ومن النساء فئة مسيطر عليها . فالعلاقة بين الرجل والمرأة ، بين الصغير و الكبير ، بين المتزوج و العازب ، بين النشيط جنسيا الغير المأجور له،وبين العامل (ة) الجنسي(ة) علاقة تراتب و تفاضل ، تحافظ بشكل علمي على سلطة الرجال و على سيطرة المتزوجين ، أكثر من ذلك .يتحول هذا النظام الإجتماعي إلى نظام أخلاقي ، إلى أخلاق تبدو و كأنها غير محددة بظروف تاريخية معينة ، بهذا المعنى ، يمكن القول إن العلاقات الجنسية البطريركية السائدة تشكل في نهاية التحليل علاقات سياسية ، لكنها علاقات تدعي مشروعية بيولوجية . وانطلاقا من تلك المشروعية تقاوم كل فعل يسعى إلى تحديثها ، أي تحويلها إلى علاقات غير سلطوية . إن العلاقات الجنسية الذكورية –الٲبيسية ، علاقات إجتماعية لا تقوم على احترام حقوق الإنسان في حياة جنسية لا تخضع لأي ضرب من الإكراه .إن ما يسود حسب وجهة نظر" عبد الصمد الديالمي " حول السلوك الجنسي والممارسة الجنسية كتعبير عن حاجات الجسد هو القمع لهذا الجسد والسلوك الجنسي، إن ما يبرز هذا القمع هو وجود نظام اجتماعي مستبطن في ضمير الأفراد كنظام أخلاقي تستر عنه الأقلية .فالإنسان في صيرورة تاريخية منذ " البداية وجد نفسه أمام ضرورة فهم الطبيعة وتنظيمها فانسنها حين اعتبرها جسدا ،و ذلك قصد استيعابها ، إن حالة الإنسان البدائي الأولى و " المركزية هي ذاته ، و بالأدق جسده .ومن تم أسقط نظام جسده على الطبيعة ، فأصبحت كل أشياء العالم رموزا للجسد وأعضائه."
فالجسد و السلوك الجنسي حاضر حتى في المجال وفي التخطيط المعماري له ، فقدسية بعض الأماكن حسب الديالمي راجعة إلى تشابهها الشكلي أو الوظيفي مع بعض أعضاء جسد الإنسان المحرمة ، وهو إسقاط يتم بشكل لاشعوري .
إن الجسد حسب الديالمي حاضر في المجال ، لكنه لا يزال يحتاج إلى كثير من التحرر، التحرر من الأصولية ، التحرر من تقل الهابيتوس الذي يحمله الفرد ، تحرر من المنع و التحريم ، من المباح و الممنوع ، من المسافة التي يقيمها المجتمع بينه وبين جسده و سلوكه الجنسي.


الزاهيد مصطفى

ذكر عدد الرسائل : 9
العمر : 30
تاريخ التسجيل : 24/09/2009

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى