منتدى آفاق الفلسفة و السوسيولوجيا و الأنثروبولوجيا

اللغة بين السوبر حداثة و السوبر تخلف

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

default اللغة بين السوبر حداثة و السوبر تخلف

مُساهمة من طرف حسن عجمي في السبت أبريل 26, 2014 9:23 pm

اللغة بين السوبر حداثة و السوبر تخلف


حسن عجمي

فلسفة اللغة فلسفة أساسية في كل حقل معرفي. فمن دون معرفة ما هي اللغة و معانيها نفشل في كتابة أي بحث أكان بحثاً علمياً أم فلسفياً أم دينياً. من هنا نسأل : ما هي اللغة و معانيها؟ و هل هي مُحدَّدة أم لا؟

تؤكد السوبر حداثة على أن اللغة و معانيها غير مُحدَّدة ما هي , و بذلك يعتمد تحديدها علينا نحن بالذات. على هذا الأساس تحررنا السوبر حداثة من لغة مُحدَّدة في الماضي من خلال جعل اللغة و معانيها معتمدة في تحديدها و تكوينها على ما نفعل نحن بها. و هذه فضيلة معرفية قصوى للسوبر حداثة. فلو كانت اللغة و معانيها مُحدَّدة سلفاً لتم سجننا في لغة و معان ٍ لغوية مُحدَّدة في الماضي ما أدى إلى اغتيال العقل و التفكير. و الأمثلة على لا محددية اللغة و معانيها عديدة منها الأمثلة العلمية. فمثلا ً , في نظرية نيوتن العلمية الجاذبية قوة تجذب الأشياء نحوها , لكن في نظرية النسبية لأينشتاين الجاذبية هي مجرد إنحناء الزمكان. هكذا اللغة و معانيها غير مُحدَّدة. فهنا من غير المُحدَّد ما معنى الجاذبية لاختلاف المعنى من نظرية إلى أخرى و بذلك من غير المُحدَّد ما هو مفهوم الجاذبية ما يتضمن لا محددية هذا الجزء من اللغة البشرية. مثل آخر هو التالي : في نموذج نيوتن العلمي الزمان مطلق أي ليس نسبياً , لكن في نموذج أينشتاين العلمي الزمان نسبي فنظرية النسبية لأينشتاين تعتبر أن الزمن يختلف باختلاف السرعة فيتسارع الزمن أو يتباطأ. من هنا من غير المُحدَّد معنى مفهوم الزمن ما يشير إلى لا محددية اللغة. و لو كانت اللغة و معانيها مُحدَّدة ما كنا لنبحث عن تحديد المفاهيم اللغوية من خلال التحليل العلمي و الفلسفي. على هذا الأساس اللغة و ما تحتوي من معان ٍ و دلالات غير مُحدَّدة.

لكن ما هي الآلية وراء كون اللغة و معانيها غير مُحدَّدة؟ يكمن الجواب في كون اللغة مجموعة معلومات متوارثة. فبما أن اللغة معلومات متوارثة , و المعلومات المتوارثة بطبيعتها غير مُحدَّدة التفاصيل كونها تتخذ شكل القوانين و المبادىء العامة و المجردة تماماً كالمعلومات المتوارثة بيولوجياً , إذن اللغة غير مُحدَّدة. فمثلا ً , اللغة العربية مجموعة معلومات متوارثة , و تتشكّل هذه المعلومات من جينات لغوية شبيهة بالجينات البيولوجية. مثال ذلك أن مصطلح " المعرفة " مشتق من مصطلح "العُرف ". و بذلك بالنسبة إلى اللغة العربية كجسد حي يتكوّن من معلومات , المعرفة كامنة في العُرف. هذا جين لغوي يتكوّن من معلومة مفادها أن المعرفة توجد في العُرف. هكذا اللغة كاللغة العربية مجموعة معلومات متوارثة. لكن من غير المُحدَّد ما إذا كانت اللغة العربية تحمل معلومة أن المعرفة قائمة في العُرف الديني أو الاجتماعي أو في العُرف العلمي أو الفلسفي. هكذا تغدو اللغة و معانيها غير مُحدَّدة من جراء كون اللغة معلومات متوارثة.

مثل آخر هو أن مصطلح " المفهوم " مشتق من مصطلح " الفهم ". و بذلك , بالنسبة إلى اللغة العربية , المفهوم هو الذي نفهمه أو هو الذي من الممكن فهمه. و هذا جين لغوي آخر حاو ٍ على معلومة مفادها أن المفهوم هو الذي نفهمه. لكن من غير المُحدَّد ما إذا كانت اللغة العربية تقول إن المفهوم هو الذي نفهمه من خلال اكتسابه من الواقع أم من خلال تركيبه و تشكيله عقلياً. هكذا كون اللغة معلومات متوارثة جعل اللغة غير مُحدَّدة. على ضوء هذه الاعتبارات , اللغة كمعلومات متوارثة هي لغة غير مُحدَّدة , و بذلك لا تتحدد معلوماتها المتوارثة سوى بفضل قراءتنا لها. لذا تعتمد اللغة في اكتساب ماهياتها و صفاتها أي معلوماتها علينا نحن فنصبح نحن أسياد اللغة بدلا ً من عبيد لها. و كما أن اللغة غير مُحدَّدة و لا تتحدد سوى من خلال قراءتنا لها , كذلك الماضي غير مُحدَّد و لا يتحدد سوى في المستقبل على ضوء قراءتنا له. فإذا قرأنا تراثنا قراءة متطورة يغدو تراثنا تراثاً متطوراً. أما إذا قرأنا تراثنا قراءة متخلفة فيمسي تراثنا تراثاً متخلفاً. هكذا الماضي يعتمد على قراءتنا له فنصبح أسياد الماضي بدلا ً من عبيده.

بما أن اللغة غير مُحدَّدة كما تقول السوبر حداثة , إذن من الممكن للغة أن تتخذ صفات و ماهيات عدة و مختلفة كأن تكون اللغة أداة للتعبير عن الواقع أو تكون آلية للتعبير عن مشاعرنا و أفكارنا أو تكون مجردة كأن تعبِّر عن الرياضيات المجردة غير المرتبطة بالواقع المادي أو تكون آلية لخلق الواقع كخلق الواقع الاجتماعي كأن يحدث الزواج بين إثنين من خلال قول رجل الدين أنه زوجهما بإسم هذا الدين أو ذاك. من هنا , لا محددية اللغة تمكّن اللغة من امتلاك وظائف عديدة و متنوعة ؛ فاللغة لديها الوظائف المختلفة السابقة لكونها غير مُحدَّدة ما هي. فلو كانت اللغة مُحدَّدة في ماهية تم خلقها في الماضي لإمتلكت اللغة وظيفة واحدة تطابق ماهيتها الواحدة بدلا ً من أن تملك وظائف عدة و متنوعة. على هذا الأساس , السوبر حداثة التي تعتبر أن اللغة غير مُحدَّدة تفسِّر لماذا للغة وظائف عدة و متنوعة. و بذلك تكتسب السوبر حداثة قدرة تفسيرية هائلة ما يشير إلى مقبوليتها.

من جهة أخرى , ينسجم موقف السوبر حداثة مع موقف السوبر مستقبلية بشأن اللغة و معانيها. فبما أن , بالنسبة إلى السوبر مستقبلية , اللغة و معانيها مُحدَّدة فقط في المستقبل , إذن اللغة و ما تحتوي من معان ٍ غير مُحدَّدة في الحاضر و الماضي تماماً كما تؤكد السوبر حداثة. من هنا تتفق فلسفة السوبر مستقبلية مع فلسفة السوبر حداثة. و بما أن السوبر مستقبلية تعتبر أن اللغة و معانيها مُحدَّدة فقط في المستقبل , إذن تحررنا السوبر مستقبلية من لغات و معان ٍ مُحدَّدة سلفاً فتجعل اللغة و المعاني معتمدة علينا نحن في تكوينها. و في هذا فضيلة كبرى للسوبر مستقبلية تتطابق مع فضيلة السوبر حداثة.

بما أن السوبر مستقبلية تقول إن اللغة و معانيها مُحدَّدة فقط في المستقبل , و علماً بأن المستقبل معتمد في تشكيله علينا نحن بالذات , إذن تدفع السوبر مستقبلية نحو استمرارية البحث عن ماهيات و صفات جديدة للغة البشرية كما تدفع بنا نحو اكتشاف و اختراع معان ٍ لغوية جديدة. من هنا تضمن السوبر مستقبلية استمرارية البحث المعرفي لأن أي بحث معرفي بحث عن لغات و معان ٍ مبتكرة كما يحدث في الفيزياء و الكيمياء و البيولوجيا و الرياضيات إلخ التي تجدد خلاياها من خلال صياغة مفاهيم و عبارات علمية لم نعهدها في الماضي كإنتاج أينشتاين لمصطلح الزمكان الذي لم نعرفه قبل النظرية النسبية. و اعتبار أن اللغة و معانيها مُحدَّدة فقط في المستقبل و ليست مُحدَّدة في الحاضر و الماضي يدفع اللغويين و الأدباء و الشعراء إلى بناء لغات و معان ٍ و دلالات مبتكرة في المستقبل ما يحقق ازدهار الأدب بنثره و شِعره و تطوير الأبحاث اللغوية فتصبح هادفة إلى إنشاء بنيات لغوية و معان ٍ جديدة. و بذلك تدعو السوبر مستقبلية اللغويين إلى التركيز على كيفية تركيب لغات و معان ٍ جديدة بدلا ً من التركيز فقط على كيف تم تركيب العبارات اللغوية في الماضي. و بهذا تفتح السوبر مستقبلية حقلا ً لغوياً مبتكراً.

لكن السوبر تخلف كمذهب عقائدي يصر على أن اللغة و معانيها مُحدَّدة مُسبَقاً في الماضي. بالنسبة إلى السوبر تخلف , اللغة و ما تحتوي من معان ٍ و دلالات مُحدَّدة منذ الأزل أو منذ بداية وجود الإنسان , و من المستحيل تغيير اللغة و معانيها و دلالاتها. فبما أن ماهية اللغة و دلالاتها و معانيها تم تحديدها في الماضي , إذن من غير الممكن تغيير و تطوير ماهية اللغة و ما تحمل من دلالات و معان ٍ. و بذلك يسجننا السوبر تخلف في لغة و معان ٍ ماضوية. هكذا يُحوِّل السوبر تخلف اللغة إلى أداة قمع لعقولنا فيسجن العقل و يغتاله. و هو بذلك يمارس الإرهاب ضد العقل البشري لأنه يقول بأن للغة ماهية مُحدَّدة سلفاً و للمفاهيم معان ٍ مُحدَّدة مُسبَقاً و بذلك يمنع العقل من التفكير في إنتاج معان ٍ و لغات جديدة. من هنا , تكمن إحدى رذائل السوبر تخلف في إرهاب العقل و قتله. فالسوبر تخلف يدفعنا نحو عدم التفكير في صياغة لغات و معان ٍ لم نعهدها من قبل , و ذلك من جراء اعتباره أن اللغات و معاني المفاهيم تكوَّنت في الماضي و اكتسبت ماهيتها و صفاتها في ماض ٍ مجهول. لذا السوبر تخلف يقضي على عملية البحث العلمي و الفلسفي لأن الفلسفة و العلوم بحث عن لغات و معان ٍ جديدة.

يعتمد السوبر تخلف على فكرة أن اللغة و معانيها كاملة و مكتملة و بذلك لا تحتاج إلى مجهودنا الفكري لصياغتها. و بهذا السوبر تخلف كمذهب عقائدي يغتال العقل البشري و اللغة في آن. فمن دون تجديد لغاتنا و معانيها و تغييرها و تطويرها تغدو لغاتنا و معانيها قبوراً لخطاب ماضوي لم نشارك في إنتاجه. بل تموت اللغة إن لم نصنع منها لغات جديدة قادرة على التعبير عن مفاهيم و معان ٍ و وقائع و عوالم لم نفكر فيها مُسبَقاً. اللغة المُحدَّدة في ماهية معينة سلفاً لغة ميتة , و المفاهيم المُحدَّدة في معان ٍ معينة مُسبَقاً مفاهيم ميتة. هذا لأن كل حقل معرفي كالعلم و الفلسفة ليس سوى عملية بحث مستمرة عن صياغة و اكتشاف بنيات لغوية و معان ٍ لم ينتجها الماضي كإنتاج أينشتاين لمفهوم الزمكان ( جمع الزمان و المكان و التوحيد بينهما ). كما أن الأدب و ما يتضمن من نثر و شِعر ليس سوى إنتاج و اكتشاف صياغات لغوية و معان ٍ جديدة ؛ فالأدب عملية اكتشاف و اختراع للغات لم يعرفها الماضي. الأدب عملية اختبار ما يمكن صياغته لغوياً. و بذلك الأدب إنتاج لماهيات و صفات جديدة للغة البشرية. من هنا , من خلال اعتبار السوبر تخلف أن اللغة مُحدَّدة في ماهية معينة في الماضي يقتل السوبر تخلف أية إمكانية لإنتاج أدب حقيقي. كل هذا يرينا كيف أن السوبر تخلف يُدمِّر الحضارة من خلال اغتيال إنسانية الإنسان الكامنة في الحقول الإبداعية المختلفة.
avatar
حسن عجمي
عضو مميز
عضو مميز

ذكر عدد الرسائل : 5
العمر : 47
تاريخ التسجيل : 18/06/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى