منتدى آفاق الفلسفة و السوسيولوجيا و الأنثروبولوجيا

دور المؤسسات التعليمية في تحقيق الأمن الخلقي والمجتمعي في عصر العولمة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

default دور المؤسسات التعليمية في تحقيق الأمن الخلقي والمجتمعي في عصر العولمة

مُساهمة من طرف أميـنة في الجمعة فبراير 22, 2008 9:42 am

:BISMILAH:
المقدمة
يعد الأمن الخلقي من الموضوعات القديمة / الحديثة في آن ، فعلى الرغم من ارتباطه بوجود الإنسان واهتمام الرسالات السماوية به، وتجذره باعتباره مبحث رئيس حتى في الفلسفات الوضعية ، وتشكله في صميم البنى الثقافية والحضارية لكافة مجتمعات الأرض على مر التاريخ ، واعتباره غاية تربوية في كافة الوثائق التي عنيت بتحديد الأهداف التربوية والتعليمية . نال اهتمام الباحثين في الأمن و التربية وعلم النفس والاجتماع ، و احتل في الحقب التاريخية الحديثة مكان الصدارة على ساحة الدراسة والتطبيق .
على الرغم من ذلك إلا أنه –الأمن الأخلاقي – ما يلبث أن يعاد طرحه كلما نوقشت قضايا الأمن و التربية والتعليم والثقافة ، وتداعت العوامل والمتغيرات ، وظهرت التحديات التي تمثل خطراً على هذا البعد الأساس في التكوين والتشكل للنشء ، ويعاد طرحه أيضاً كلما نوقشت محاور التطوير والبناء للأوطان والمجتمعات ، ومن ثم يأتي اختيار “ الأمن الأخلاقي امجتمعي” ليكون عنوانا لهذه الورقة انطلاقا من الواقع وما يشهده من تحديات عالمية معاصرة تتدافع تأثيراتها على التنشئة بمفهومها الواسع والتنشئة الأخلاقية باعتبارها أحد أهم أركانها في المجتمع المسلم ، وتجسيداً للإدراك الواعي بضرورة بحث ومناقشة سبل تفعيل الآداء التربوي على المسار الأخلاقي اتساقاً مع رسالة المجتمع بجميع مؤسساته في المملكة العربية السعودية بمنطلقاتها الإسلامية ، وتحقيقاً لغاياتها التربوية ومضامينها الأخلاقية ، ومواءمة المفردات والممارسات مع طبيعة العصروحجم تحدياته ذات العلاقة بالبعد الأخلاقي في التربية .
وفي هذا الإطار يكتسب الأمن الأخلاقي دلالة خاصة ، وتتعاظم أهميته في وقتنا الراهن ، لأن الهواء ( إكسيد الحياة ) أصبح يحمل بين ذراته الطبيعية حمولة معرفية وفكرية وثقافية تفيض بالمفاهيم والأفكار والقيم والممارسات والسلوك التي تمثل خطراً على أخلاق النشء والشباب ، وتنعكس سلباً على مجمل الجهود التربوية المبذولة من كافة الوسائط وتتصعب مهمة المجتمع المسلم في تحقيق الغاية التربوية التي تتلخص في قول الرسول × “ إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق “ (1).
فما أبرز التحديات الأخلاقية في عصر العولمة ؟ وما أثرها على الأمن المجتمعي؟ وكيف يمكن التعامل معها بغية المحافظة على الفطرة وتوجيهها نحو الصلاح ؟ وما أهم الجوانب التي يجب التركيز عليها في آدائنا التعليمي والتربوي من أجل تحقيق الأمن الأخلاقي المجتمعي؟
إن ما تثيره المعاني والدلالات الكامنة خلف هذه التساؤلات تلقي الضوء على أهداف ومحاور الدراسة الحالية .
الأهداف
تسعى هذه الدراسة الى :
1) تشخيص أبرز التحديات العالمية المعاصرة ( العولمة ) ومقوماتها وآلياتها وفاعليتها في التأثير على الجانب الأخلاقي في تكوين المسلم .
2) إلقاء الضوء على مفهوم الأمن الأخلاقي باعتباره بعدا أساسا من أبعاد الأمن في المجتمع المسلم.
3) دراسة بعض الأبعاد الفاعلة في التنشئة الأخلاقيةالمجتمعية.
4) المساهمة المتواضعة في الجهد الدائم لبلورة الأفكار والمقترحات التربوية والتعليمية للتعامل مع أخطر ما يواجه المجتمع في الوقت
في محاولة لتحقيق الأهداف سالفة الذكر تتناول الدراسة المحاور التالية :
أولاً : العولمة وأثرها على البعد الأخلاقي المجتمعي .
ثانياً : مفهوم الأمن الخلقي.
ثالثاً : دور المؤسسات التعليمية في تحقيق الأمن الخلقي.
أولاً: العولمة وأثرها علىالبعد الأخلاقي المجتمعي.
يثير مصطلح العولمة ( Globilization ) جدلاً واسعاً على الساحة العالمية في مختلف مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتربوية ، وتتعدد زوايا دراسته ، وتتناقض رؤى التعامل معه ، وتتفاوت المواقف منه ، مما يجعل الإلمام بكل أطراف الظاهرة وأبعادها المتشابكة والمتقاطعة في معظم الأحيان أمرا يصعب على أي دراسة أو مؤلف أن يحصيها أو يتناولها من كافة أبعادها ، ولم يعد مفيداً في التعامل مع هذه الظاهرة الاهتمام بإحصاء أشكالها ، والتغطية لكل ما كتب عنها ، والمباراة في الموقف منها مدحاً أو هجاءً وإنما الأهم الدخول إلى كنه إشكالياتها ، وتشخيص أخطارها في كل جانب وفق التخصص وفي إطار واقعي تمهيداً لإنتاج أفكار قابلة للتطبيق ، تقلل آثارها ، وتضيف إلى أفراد المجتمع مهارة حقيقية أو قدرة يمتلكها في التعامل مع ما تحمله مضامين العولمة من مفردات .
وحسب هذا المنطق يأتي عرضنا لهذا المحور كما يلي :
مفهوم العولمة :
على الرغم من تعدد المفاهيم في الصياغة إلا أن دلالة المفهوم تشير إلى أنها “ عملية تحول تكنولوجي واقتصادي واجتماعي وثقافي تقلل من التوازن الداخلي للأقاليم عامة وللدول في حد ذاتها ، وهذه العملية تدعم نطاقاً معقداً من العلاقات المتبادلة المحكمة التي تحل فيها شبكات الاتصال محل الأقاليم ، وتصبح الدولة فيها مجرد نظام بيروقراطي يعمل على تحسين الأداء الاقتصادي والتنافس التجاري ويقل بالتدريج تأثير الدول في الاهتمام الشعبي أو الجماهيري . وبرزت العولمة اقتصاديا من خلال تداخل اقتصاديات دول العالم ، وتوحيد الأسواق ومناطق الإنتاج ، وتدويل معايير الأداء ومفاهيم الإدارة وسهولة انتقال رؤوس الأموال والتكنولوجيا وشبكات المعلومات عبر الحدود السياسية “ (2) .
ويشير هذا المفهوم إلى أن العولمة بدأت اقتصادياً ثم سياسياً فثقافياً ، ويساندها في الجانب الأخير- الثقافي أمرين : الأول النجاح على المسار الاقتصادي والسياسي ، والثاني : ما توافر لها من مقومات تجعلها خطراً على ثقافتنا عامة وأخلاقنا خاصة ، فما هي هذه المقومات وما أثرها ؟
مقومات العولمة الثقافية وأثرها الأخلاقي :
توافرت للأيديولوجيا التي تنطوي عليها العولمة جملة من المقومات ساعدت على انتشار أفكارها ، وضمنت لمفاهيمها و سلوكياتها الوصول إلى مجتمعات العالم أجمع بغض النظر عن مدى اتساق هذه المفاهيم و القيم مع طبائع المجتمعات و منطلقاتها و غاياتها مما جعلها تمثل تحدياً حقيقياً للقطاع العريض من الناس و الشعوب بمختلف فئاتهم العمرية كما تمثل خطرا” على تشكيل الوعي و صياغة الشخصية من الناحية الثقافية العامة باعتبارها إطارا للأخلاق وطريقة للتفكير .
و يعد النشء المسلم أكثر المتأثرين بهذه العوامل و التحديات نظرا” لطبيعة المرحلة التي يمر بها التي تجعله في طور التشكيل والتكوين و البناء كما تؤكد أدبيات التربية وعلم النفـس. و على الرغم من تنوع مقومات العولمة على مختلف الأصعدة إلا أن أكثر هذه المقومات ارتباطا” بموضوع التأثيرات الأخلاقية على النشء المسلم ما يلي(3) :-
× تقدم نظم الاتصال : خاصة بعد استخدام البصرية منها في منظومات الاتصال التي ساعدت على نقل المعلومات بكثافة عالية و بسرعة الضوء فضلا” عن الأقمار الصناعية التي أدت إلى الزيادة الكمية و النوعية في نقل المعلومات مما يؤدي إلى تغييرات جوهرية في مفاهيم التنشئة و التعليم والتدريب ، و تحتم وجود نماذج ثقافية / أخلاقية يمكن من خلالها التعامل مع معطيات ثورة الاتصالات و في الوقت نفسه الحفاظ على الهوية .
× الحاسبات التي تم توظيفها في مجالات عديدة تجاوزت تخزين المعلومات إلى التنبؤ بنتائج التجارب العلمية و تحليل الظواهر العلمية كما ساعدت على انتشار كثيف لأنواع من المعارف على أقراصها يصعب إحصاء كـم ونوع تلك المعارف فضلا” عن أثرها العـام و الأخلاقي خاصة .
× شبـكة الإنترنت : على الرغم من الجهود الكبيرة المبذولة في وطننا الحبيب للتحكم والانتقاء لنوعية المواقع الملائمة لقيم المجتمع إلا أن الطبيعة البنيوية لهذه الشبكة و نظم معلوماتها و ما تشهده على مدار الساعة من إضـافة مـواقع و تغيرات في نظم الاتصال و ابتكار طرق التسريب في إطار مؤسسات مشبوهة تحرص على نفاذ تلك المواقع إلى النشء المسلم يضاعف خطر تلك الشبكة على الجانب الأخلاقي رغم ما تقدمه على مسار التطورات المتميزة في البناء الأكاديمي ، و نظرا” للنقص الكمي و التدني الكيفي في نوعية المواقع المؤسسية التي تعنى بتقديم برامج ثقافية و ترفيهية وتربوية و أخلاقية للنشء المسلم وفق استراتيجية واضحة مبنية على تخطيط لاحتياجاتهم الفعلية من ناحية وتحليل مضمون ما تقدمه المواقع الأخرى البديلة من ناحية أخرى ، نظرا” لذلك فإن النشء ينخرط فيها بحكم عدم اكتمال النضج وخصائص مراحله النمائية وطبيعة محتوى وشكل تلك المواقع المحملة بحمولة ثقافية وأخلاقية تحتاج إلى العديد من الدراسات التحليلية لمكنونها ومدلولها ومضامينها التربوية والأخلاقية ومدى تأثيرها .
× الأدبيات المترجمة :التي تمتلئ به الساحة العربية والإسلامية ، وتجتذب القصص المترجمة خاصة فئات كثيرة ، ونظراً لجاذبيتها ومواءمتها في صورتها وشكلها الأدبي لطبيعة خيال النشء تؤتي ثمارها بشكل سريع وتجعل مضمونها من الأفكار والقيم يسري في كيانهم من خلال رموزها وأبطالها ومواقفهم دون أوامر مباشرة أو تلقين خطابي صريح ، ويأتي ذلك في إطار مقومات العولمة التي سهلت تدفق الأفكار والمعلومات كما سهلت تدفق البضائع .
× البث التلفزيوني العالمي المباشر وما يتضمنه من المشاهد الجنسية والأفلام الإباحية والمسلسلات الفاحشة التي تتناقض مع قيمنا الثقافية والدينية .
× كما تنتشر في العديد من المجتمعات العربية والإسلامية وسائل كثيرة أخرى تعد من أبرز المقومات المعاصرة في التأثير الثقافي والأخلاقي مثل :
* أطباق الأيدز النسائية .
* أساليب الاستضافة للشباب المسلم في المجتمعات الأوربية والأمريكية .
* استغلال مساعدات الاقتصادية في مجالات التعليم والثقافة والإعلام .
* استغلال المدارس الجامعات الأجنبية (4).
ثانياً : مفهوم الأمن الخلقي
يشير المفهوم العام للأمن إليى أنه يدل على “عدم توقع مكروه في الزمن الآتي” ، و يتضمن هذا المفهوم البسيط للأمن عدة عناصر متكاملة :- (4)
الأول : إن الأمن تعبير عن سنة إلهية من حيث أنه لا يخرج عن سنن الله في خلقه و في تدبيره للكون و تسييره للحياة ، و هو باعتباره سنة نعمة من النعم التي قد يبتلي الله بها ابتلاء اغترار أو ابتلاء تضييع .


عدل سابقا من قبل أميـنة في الجمعة فبراير 22, 2008 9:47 am عدل 1 مرات

أميـنة
طالبة أنثروبولوجيا
طالبة أنثروبولوجيا

انثى عدد الرسائل : 156
تاريخ التسجيل : 30/01/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

default رد: دور المؤسسات التعليمية في تحقيق الأمن الخلقي والمجتمعي في عصر العولمة

مُساهمة من طرف أميـنة في الجمعة فبراير 22, 2008 9:43 am

: إن الأمن حالة شعورية ، إذ لا قيمة له إن لم يوجد الإحساس به . و يتولد الشعور بأن ثمة فارقاً بينه و بين الخوف ، و إن لم يتحول ذلك كله إلى إدراك حقيقي يتمخض عنه سلوك يؤكد أن ثمة ما يطمئن على السعي في الحياة و الحركة لإعمارها و إصلاح المفاسد في مناحيها و مقاصدها ، و مناهج الاقتراب منها .
: إن طبيعة الأمن كإحساس أو شعور تستلزم كائنا” حيا” ، إنسانا” أو غيره و لذلك حرص الإسلام على أن يغلف الأمن حياة الإنسان ، و حياة الكائنات الحية الأخرى المسخرة لخدمته و نفعه ، و مساعدته على أداء رسالته الاستخلافية .
الرابع : إن الأمن لكونه حالة شعورية هو اطمئنان إلى عدم توقع مكروه في الزمن الآتي أيا” كان شكله و مصدره ,فقد يصيب الدين أو العقل أو النفس أو العرض أو المال و قد يصيبها كلها, بيد أن عدم توقع المكروه لا يعني أن الأمن حالة مستقبلية فقط ذلك أن من لا أمن له في حاضره لا أمن له في مستقبله, و إنما تنطلق الثقة في أمن المستقبل من الإحساس الحقيقي بأن أمن الحاضر موضع للشك فيه .
الخامس : إن الأمن إذا كان لا ينفصل عن الزمن بحال من الأحوال في الحاضر و المستقبل فهو أيضا” لا ينفصل عن المكان ، و كفى في هذا المقام بيان أهمية اعتبار المكان كعامل أساس الصق الإسلام صفته – أي الأمن - ببعض الأماكن المقدسة – الحرم الآمن . و البلد الآمن-.
و أمام مجموعة التحديات التي تهدد أخلاق أولادنا يصبح الأمن الأخلاقي لهذه الفئة من أهم الأهداف التي تسعى المؤسسات المجتمعية لتحقيقه وعلى وجه الخصوص الموسسات التربوية والتعليمية,والسبيل الوحيد لتحقيق ذلك هي التنشئة الاجتماعيةالسليمة.
ويشير مفهوم التنشئةالاجتماعية عموما إلى أنها “ العملية التي يتم بها انتقال الثقافة من جيل إلى جيل ، والطريقة التي يتم بها تشكيل الأفراد منذ طفولتهم حتى يمكنهم المعيشة في مجتمع ذي ثقافة معينة ، ويدخل في ذلك ما يلقنه الآباء والمدرسة والمجتمع للأفراد من لغة ودين وتقاليد وقيم ومعلومات ومهارات “ (6) ومن ثم فهي تهدف إلى إكساب الأطفال أساليب سلوكية معينة ودوافع وقيم واتجاهات يرضى عنها المجتمع الذي يعيش فيه الفرد بحيث تشكل طرق تفكيره وأنماط سلوكه وحكمه على المعاني والأشياء . (7)
والتنشئة بمفهومها الواسع تؤكد على ركيزتين أساسيتين هما :-
الأولى : أن التنشئة تقوم على تناغم الوسائط التربوية المختلفة التي يجمع بينها هدف واحد ومنطلقات ثابتة ويسري في كيانها خط تربوي واحد يكفل التأثير في اتجاه واحد رغم تنوع أشكال الأداء ، ومن ثم يتبدى لنا خطورة الشركاء القرباء في تنشئتنا لأولادنا التي لا يسري في برامجهم تلك الروح الخاصة بثقافتنا .
الثانية : أ ن التنشئة كل متكامل رغم تعدد أبعادها ( الاجتماعية / الثقافية / الأخلاقية / العلمية / اللغوية ) وتداخلها مع بعضها ، وإنما يأتي فصلها فقط من أجل دراستها .
وينطوي مفهوم التنشئة الأخلاقية على :-
الوعي الأخلاقي : إذ يعتبر تكوين الوعي الأخلاقي من أهم الأهداف التربوية الأساسية وهو الخطوة الأولى من خطوات التنشئة الأخلاقية وضرورة من ضروراتها التي يجب توافرها ، وهو لا يقتصر على المعرفة الخيرة وتعلم واكتساب المفاهيم الأخلاقية وإنما يتجاوز المعرفة إلى تكوين النزعة الصادقة نحو الحقيقة والقيم (Cool
الممارسة الأخلاقية : على الرغم من أهمية تكوين الوعي الأخلاقي إلا أنه لا يكفي للتنشئة الأخلاقية الكاملة, لأنه - وكما تشير أدبيات التربية الأخلاقية - محفوف بمخاطر الوقوع في المراءاة وعدم الممارسة ، ومن ثم تأتي أهمية ترجمة الوعي الأخلاقي إلى ممارسات وعادات نتيجة للتدريب المستمر والمتكرر ، ويقتضي ذلك توافر البيئة التربوية التي تكون الخبرة الحقيقية من خلال مواقف يومية تمس واقع الطفل .
التربية الأخلاقية : تعني ملاحظة قوانين الحياة لنفس الشخصية الإنسانية على أساس القيم والسلوك الصحيح ، وذلك من أجل تحقيق مكاسب أخلاقية عامة , وبالتالي مفهوم الأخلاق يتطلب القدرة على التقييم والاختيار كما يتطلب نضجاً فكرياً صحيحاً .
النمو الأخلاقي : يتركز النمو الأخلاقي حول عملية الإنماء التدريجي للوعي الأخلاقي والممارسة حسب مراحل النمو المختلفة بخصائصها وأساليب التعامل معها بغية تنمية قدراته على الاختيار الهادف الذي يتجاوز السلوك الغريزي إلى الاحتكام في اختياره وسلوكياته إلى القيم والمثل التي صاغت وعيه (9) .
وتشير تلك المفاهيم إلى الكثير من المعالم والأبعاد التي يجب أن تحكم وتوجه التنشئة الأخلاقية المجتمعية نبرز بعضها فيما يلي :
ثالثاً: دور المؤسسات التعليمية في تحقيق الأمن الأخلاقي .
ثمة إجماع على أن الدين والأخلاق وجهان لعملة واحدة وأن التنشئة الدينية جزء لا يتجزأ من التنشئة الأخلاقية ، بل إن الدين هو روح التربية الخلقية وقوتها المحركة, إذ يستمد المجتمع قيمه الأخلاقية وقواعد تنظيم السلوك من التعاليم الدينية التي تلعب دوراً أكثر فعالية في الالتزام الشخصي أكثر من القواعد والقوانين الوضعية
وثمة إجماع أيضاً على أن نظام التعليم في المملكة العربية السعودية يعد من أبرز النظم التعليمية في العالم الإسلامي التي انطلقت من المبادئ الإسلامية وراعت في تشكيل بنيته ومختلف فعالياته روح الإسلام ومعاييره وأولت في برامجه الدراسية عناية فائقة بعلوم الشرع وقد حقق ذلك نتائج لا تخطئها عين في مجال التنشئة الأخلاقية ، إلا أن الأمر في الوقت الراهن وأمام المتغيرات المتجددة والتحديات العالمية في هذا المجال والتي أشارت الورقة إلى بعضها آنفاً تحيلنا إلى التفكير في تدابير تربوية جديدة وتفعيل لبعض الأساليب والآليات الموجودة فعلاً من أجل أن يتحقق الأمن الأخلاقي المجتمعي كماكان من قبل ، وعليه يأتي الطرح التـالي لبعض المعـالم والأبعاد التي قد تسـاعد في هذا الصدد والمتمثلة في (10) :-
* إن الوصول إلى تحقيق الأمن الخلقي وفق طبيعة البشر هو الغرض الحقيقي من التربية الإسلامية , والوصول الى ذلك وفق دلائل مفهوم التنشئة الاجتماعية لايتأتى فقط عن طريق حشو الأذهان بالمعلومات بل بتهذيب الأخلاق وتربية الأرواح وتعويد الناشئة على الآداب والسلوكيات الأخلاقية الصحيحة .
* إن الأمن الخلقي يتحقق عن طريق خط روحاني أكثر فعالية ,قد يكون مستتراً ولكنه خيط داخلي وشخصي في الوقت نفسه, فالمعنى الأخلاقي والديني الذي يتصف بالروحانية والرضى والالتزام الشخصي لا يتم تكوينه من أعلى أو من الخارج ولكن يتم إكتسابه من الفرد ذاته على أساس من الخبرات الشخصية واليومية وضرورات الحياة والتطور .
( فالاهتمام بالطفل واحترامه مثلاً يغرس في نفسه - أكثر من ألف أمر وألف توصية - قيمة الكرم واحترام الآخرين ) .
( والاعتذار للطفل عن خطأ في حقه يجعله يشعر بأنه المستفيد الأول والأساس من هذه القيم الأخلاقية التي تصبح نتيجة لذلك عاداته وتصرفاته مع الآخرين ) .
ومن ثم تشكل معاملة الطفل ترجمة حقيقية للمبادئ الأخلاقية التي نهدف إلى غرسها .
* على الرغم من أهمية الوعي الأخلاقي باعتباره أحد فعاليات التنشئة الأخلاقية التي بها يتحقق الأمن الأخلاقي إلا أن اختزال الأخلاق في مجرد المعرفة قصور في التنشئة إذ يؤدي ذلك مع وجود المعرفة وتراكمها إلى تكوين أزمات أخلاقية لدى الشخص خاصة في ظل تحديات العصر ومتغيراته .
* أن السلوك الأخلاقي ليس مجرد تنفيذ قانون أو تطبيق خارجي لقاعدة وإنما هو بعث الحياة في سلوك الفرد وغرس القيم في الحياة اليومية .
* أن التنشئة الأخلاقية السليمة لا تتم فقط تحت ضغط القبول الاجتماعي أو الحصول على الجائزة أو الخوف من العقاب وإنما بتكوين الدوافع الحقيقية النابعة من الالتزام الشخصي بمصفوفة القيم الأخلاقية المستهدفة .
* أن البعد الفاعل في التكوين الأخلاقي للنشء يتمثل في خبرته الشخصية وحياته اليومية التي تتمثل في الجو المعاش من خلال الممارسة والثقة و الروابط والاقتداء ، فإذا لم يجد الطفل القدوة في الكبار فإن كل القيم والمعايير تفقد مصداقيتها بالنسبة له ومن ثم يصبح لكل موقف من المواقف اليومية دور مؤثر في تهيئة فرصة مواتية للتنشئة الأخلاقية السليمة .
وفي هذا الإطار نوصي بالتركيز على ما يلي :-
× القدوة الحسنة وتكريسها في مناخ المؤسسات المجتمعية (الأسرة والمسجد والحي والمدرسة.. .)
× الممارسات وربطها بما يتم تعليمه من خلال جماعات مدرسية تقوم بأنشطة تحقق الهدف الأخلاقي .
× التنشئة الأخلاقية تربية وليس تعليماً ، فلا يكفي مجرد الحفظ والتلقين للجانب المعرفي الأخلاقي وإنما بتحويلها إلى مواصفات أبقى أثراً في شخصية النشء طيلة حياته.
× المدرسة باعتبارها بيئة ومحيط اجتماعي تتحقق على أرضيته القيم والمثل من خلال وعي أطراف العملية التعليمية بقيمة ما يقولونه وما يفعلونه على مرئى ومسمع الطلاب.
× ربط القيم الأخلاقية بمفردات واقع النشء داخل وخارج المدرسة من خلال أمثلة واقعية ترتبط بالمحيط البيئي ليتعلم النشء متى وأين يطبق تلك المعارف النظرية .
× ابتكار أنشطة تحقق اندماج الطفل في عمل جماعي يظهر من خلال التفاعل مواطن النقص والقصور لمعالجتها وتوجيهها .
× اتجاهات المعلم نحو التنشئة الأخلاقية للطفل وأساليبها إذ أن المعلم باعتباره قائد إداري للطلاب ، ومخطط ومنفذ للمواقف ، والخبير الممثل للجماعة ، ورمزها الضابط للعلاقات الداخلية ، والقائم على الثواب والعقاب ، والمحتكم إليه ، والممثل للمسؤولية الفردية ، يأتي على رأس العوامل المؤثرة في تنشئة أولادنا داخل المدرسة من خلال عمليات التفاعل الاجتماعي ، وتصبح المكتسبات الأخلاقية والثقافية للطفل ذات علاقة باتجاهات المعلم نفسه ، الأمر الذي ينبه إلى خطورة المعلم باعتباره وسيط اجتماعي وخلقي للطفل دون أن تكتمل في ذاته ثوابت القيم الخلقية الحقة والاتجاهات التي يصوب نحوها المجتمع فيكرس من خلال مواقفه التربـوية انحصـار القـيمة الخلقية في مفهومها الشكلي أو المظهري (11) لدى النشء وانفصالها عن الممارسة الحقيقية التي تتشكل لتظل معهم أبداً . ومن ثم فالبداية الصحيحة تبدأ من المعلم وتنمية اتجاهاته وأساليبه في التنشئة الأخلاقية وتدريبه على ذلك . وهنا يأتي الدور الحقيقي لكليات التربية في الجامعات السعودية وكليات المعلمين التابعة لوزارةالتربية والتعليم على وجه الخصوص ,فلنعمل جميعا من أجل أمننا الخلقي ولنحقق في أنفسنا الأخلاق التي نريد أن تكون في أبناءنا.



المراجع

1) رواه البخاري في الأدب المفرد / 104 حديث ، باب حسن الخلق .
2) طارق متري ، الحوار الديني الثقافي في منطقة البحر المتوسط في فترة العولمة ، ترجمة سناء مسعود ، مستقبليات ، العدد (101) ، مكتب التربية الدولي ، جنيف ، مارس 1977 ، ص 142 .
3) مصطفى طبية ، الثورة العلمية والتكنولوجية والعالم العربي ، دار المستقبل العربي ، القاهرة ، 1983 ، ص ص 128-129 .
4) أحمد إسماعيل حجي ، المعونة الأمريكية للتعليم في مصر ، سلسلة قضايا تربوية ، العدد (10) ، عالم الكتب 1993 ، ص 205 .
5) أحمد زكي بدوي ، معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية ، مكتبة لبنان ، بيروت ، 1982 ، ص 400 .
6) محمد عماد الدين إسماعيل ، الأطفال مرآة المجتمع ، عالم المعرفة ، العدد ( 99 ) الكويت ، 1986 ، ص ص 269-270 .
7) مصطفى محمود منجود : الأبعاد السياسية افهوم الأمن في الإسلام ، سلسلة الرسائل الجامعية ( 26 ) المعهد العالمي للفكر الإسلامي ، القاهرة ، 1996 ص ص 44-45 .
Cool بيو كنكيتي ، التربية الأخلاقية في رياض الأطفال ، ترجمة ، فوزي عيسى ، مراجـعة كاميليا عبد الفتاح ، دار الفكر العـربي ، القــاهرة ، 1992 ، ص10 ( بتصرف ).
9) المرجع السابق ، ص 13، 14 ، ( بتصرف ).
10) لمزيد من التفاصيل راجع :-
q أبحاث المؤتمر الدولي للطفولة في الإسلام ، 9-12 أكتوبر 1990 ، جامعة الأزهر القاهرة .
q عبد المنعم محمد ، الممارسات التربوية في التربية الإسلامية بالمدرسة الثانوية العامة ، مؤتمر “ التربية الدينية وبناء الإنسان المصري “ الذي نظمه قسم أصول التربية ، جامعة المنصورة في الفترة من 21-22 ديسمبر ، 1993 .

11) Rogers, Colin & Kutnick . Peter “ the Social psychology of the primary school, routoldge, London, 1990 p .31.

أميـنة
طالبة أنثروبولوجيا
طالبة أنثروبولوجيا

انثى عدد الرسائل : 156
تاريخ التسجيل : 30/01/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى