منتدى آفاق الفلسفة و السوسيولوجيا و الأنثروبولوجيا


انضم إلى المنتدى ، فالأمر سريع وسهل

منتدى آفاق الفلسفة و السوسيولوجيا و الأنثروبولوجيا
منتدى آفاق الفلسفة و السوسيولوجيا و الأنثروبولوجيا
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.

مدخل الى الأنثروبولوجيا

اذهب الى الأسفل

default مدخل الى الأنثروبولوجيا

مُساهمة من طرف لمياء الثلاثاء يناير 29, 2008 9:56 am

مدخل إلى الانثروبولوجيا



إنّ لفظة أنثروبولوجيا Anthropologie ، هي كلمة إنكليزية مشتقّة من الأصل اليوناني المكوّن من مقطعين: أنثروبوس Anthropos ، ومعناه " الإنسان " و لوجوس Locos، ومعناه" علم". وبذلك يصبح معنى الأنثروبولوجيا من حيث اللفظ " علم الإنسان ".‏([1])



تعريف الانثروبولوجيا:

تعرّف الأنثروبولوجيا، بأنّها العلم الذي يدرس الإنسان من حيث هو كائن عضوي حي، يعيش في مجتمع تسوده نظم وأنساق اجتماعية في ظلّ ثقافة معيّنة .. ويقوم بأعمال متعدّدة، ويسلك سلوكاً محدّداً؛ وهو أيضاً العلم الذي يدرس الحياة البدائية، والحياة الحديثة المعاصرة، ويحاول التنبّؤ بمستقبل الإنسان معتمداً على تطوّره عبر التاريخ الإنساني الطويل. . ولذا يعتبر علم دراسة الإنسان (الأنثروبولوجيا) علماً متطوّراً، يدرس الإنسان وسلوكه وأعماله. ([2])



وتعرف الأنثروبولوجيا أيضاً، بأنّها علم (الإناسة) أي العلم الذي يدرس الإنسان كمخلوق، ينتمي إلى عالم الحيوان وينفرد بصناعة الثقافة. ([3])



كما تعرّف الأنثروبولوجيا بصورة مختصرة وشاملة أيضا بأنّها " علم دراسة الإنسان طبيعياً واجتماعياً وحضارياً " أي أنّ الأنثروبولوجيا لا تدرس الإنسان ككائن وحيد بذاته، أو منعزل عن أبناء جنسه، إنّما تدرسه بوصفه كائناً اجتماعياً بطبعه، يحيا في مجتمع معيّن لـه ميزاته الخاصة في مكان وزمان معينين. ([4])


وهذا يتوافق مع تعريف تايلور الذي يرى أنّ الأنثروبولوجيا: "هي الدراسة البيوثقافية المقارنة للإنسان " إذ تحاول الكشف عن العلاقة بين المظاهر البيولوجية الموروثة للإنسان، وما يتلقاه من تعليم وتنشئة اجتماعية. وبهذا المعنى، تتناول الأنثروبولوجيا موضوعات مختلفة من العلوم والتخصّصات التي تتعلّق بالإنسان.‏



- أهداف الدراسة في الأنثروبولوجيا‏

إنّ دراسة الانثروبولوجيا تحقّق مجموعة من الأهداف، يمكن حصرها في الأمور التالية :‏

1- وصف مظاهر الحياة البشرية والحضارية وصفاً دقيقاً، وذلك عن طريق معايشة الباحث المجموعة أو الجماعة المدروسة، وتسجيل كلّ ما يقوم به أفرادها من سلوكات في تعاملهم، في الحياة اليوميّة .‏

2- تصنيف مظاهر الحياة البشرية والحضارية بعد دراستها دراسة واقعية، وذلك للوصول إلى أنماط إنسانية عامة، في سياق الترتيب التطوّري الحضاري العام للإنسان : (بدائي- زراعي- صناعي – معرفي – تكنولوجي)‏

3- تحديد أصول التغيّر الذي يحدث للإنسان، وأسباب هذا التغيّر وعملياته بدقّة علمية.. وذلك بالرجوع إلى التراث الإنساني وربطه بالحاضر من خلال المقارنة، وإيجاد عناصر التغيير المختلفة.‏

3- استنتاج المؤشّرات والتوقعّات لاتّجاه التغيير المحتمل، في الظواهر الإنسانية / الحضارية التي تتمّم دراستها، وبالتصوّر بالتالي لإمكانية التنبؤ بمستقبل الجماعة البشرية التي أجريت عليها الدراسة.



نشأة الأنثروبولوجيا


أولاً-الأنثروبولوجيا في العصر القديم:‏



1- عند الفراعنة

يجمع معظم علماء الاجتماع والأنثربولوجيا، على أنّ الرحلة التي قام بها المصريون القدماء في عام 1493 قبل الميلاد إلى بلاد بونت ) الصومال حالياً) بهدف التبادل التجاري، تعدّ من أقدم الرحلات التاريخية في التعارف بين الشعوب. وقد كانت الرحلة مؤلّفة من خمسة مراكب، على متن كلّ منها 31 راكباً، وذلك بهدف تسويق البضائع. ونتج عن هذه الرحلة اتصال المصريين القدماء بأقزام أفريقيا.


2- عند الإغريق - قدماء اليونانيين-

يعدّ المؤرخ الإغريقي هيرودوتسHerodotus ، الذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد، وكان رحالة محبّاً للأسفار، أول من صوّر أحلام الشعوب وعاداتهم وطرح فكرة وجود تنوّع وفوارق فيما بينها، من حيث النواحي السلالية والثقافية واللغوية والدينية. لذلك، يعتبره معظم مؤرّخي الأنثربولوجيا الباحث الأنثروبولوجي الأوّل في التاريخ.‏

فهو أول من قام بجمع معلومات وصفيّة دقيقة عن عدد كبير من الشعوب غير الأوروبية (حوالي خمسين شعباً )، حيث تناول بالتفصيل تقاليدهم وعاداتهم، وملامحهم الجسميّة وأصولهم السلالية. إضافة إلى أنّه قدّم وصفاً دقيقاً لمصر وأحوالها وشعبها، وهو قائل العبارة الشهيرة : "مصر هبة النيل"

واستناداً إلى هذه الإسهامات المبكرة والجادة، يعتقد الكثيرون من علماء الأنثروبولوجيا، أنّ منهج هيرودوتس في وصف ثقافات الشعوب وحياتهم وبعض نظمهم الاجتماعية، ينطوي على بعض أساسيات المنهج (الأثنوجرافي) المتعارف عليه في العصر الحاضر باسم (علم الشعوب) .‏


في العصور الوسطى‏


1- في أوربا :

يذكر المؤرّخون أنّه في هذه العصور الوسطى (المظلمة) تدهور التفكير العقلاني، وأدينت أيّة أفكار تخالف التعاليم المسيحيّة، أو ما تقدّمه الكنيسة من تفسيرات للكون والحياة الإنسانية، سواء في منشئها أو في مآلها. ولكن إلى جانب ذلك، كانت مراكز أخرى وجّهت منطلقات المعرفة، وحدّدت طبيعة الحضارة الغربية في تلك العصور، كبلاط الملوك مثلاً، الذي كان يضمّ في العادة، فئات من المثقفين كرجال الإدارة والسياسة والشعراء. ([5])



لقد ظهرت في هذه المرحلة محاولات عدّة للكتابة عن بعض الشعوب، إلاّ أنّها اتّسمت – غالباً- بالوصف التخيّلي، بعيدة عن المشاهدة المباشرة على أرض الواقع. مثال ذلك، ما قام به الأسقف إسيدور Isidore الذي عاش ما بين (560- 636) حيث أعدّ في القرن السابع الميلادي موسوعة عن المعرفة، وأشار فيها إلى بعض تقاليد الشعوب المجاورة وعاداتهم، ولكن بطريقة وصفية، تتّسم بالسطحية والتحيّز.‏

وممّا ذكره، أنّ قرب الشعوب من أوربا أو بعدها عنها، يحدّد درجة تقدّمها، فكلّما كانت المسافة بعيدة، كان الانحطاط والتهور الحضاري مؤكّدا لتلك الشعوب. ووصف الناس الذين يعيشون في أماكن نائية، بأنّهم من سلالات غريبة الخَلق، حيث تبدو وجوههم بلا أنوف.‏



2- عند العرب :‏


وتمتدّ من منتصف القرن السابع الميلادي، وحتى نهاية القرن الرابع عشر تقريباّ. حيث بدأ الإسلام في الانتشار، وبدأت معه بوادر الحضارة العربية الإسلامية التي تضمّنت الآداب والأخلاق والفلسفة والمنطق، كما كانت ذات تأثيرات خاصة في الحياة السياسية والاجتماعية والعلاقات الدولية ولذلك، برز العرب في وضع المعاجم الجغرافية، كمعجم (البلدان) لياقوت الحموي. وكذلك إعداد الموسوعات الكبيرة التي بلغت ذروتها في القرن الثامن الهجري (الرابع عشر ميلادي) مثل " مسالك الأمصار " لإبن فضل الله العمري، و" نهاية الأرب في فنون العرب " للنويري .‏

وفي مجال العمران الذي تتميز مادته بالاعتماد على المشاهدة والخبرة الشخصيّة، مما يجعلها مادة خصبة من ناحية المنهج الأنثروبولوجي في دراسة الشعوب، فقد وضع البيروني/ الذي عاش ما بين (362440 هجرية) كتاباً عن الهند بعنوان " تحرير ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة " .وصف فيه المجتمع الهندي بما فيه من نظم دينية واجتماعية وأنماط ثقافية. واهتمّ أيضاً بمقارنة تلك النظم والسلوكيات الثقافية، بمثيلاتها عند اليونان والعرب والفرس.

وأبرز البيروني في هذا الكتاب، حقيقة أنّ الدين يؤدّي الدور الرئيس في تكبيل الحياة الهندية، وتوجيه سلوك الأفراد والجماعات، وصياغة القيم والمعتقدات. ([6])

كما كانت لرحلات ابن بطوطة وكتاباته خصائص ذات طابع أنثروبولوجي، برزت في اهتمامه بالناس ووصف حياتهم اليومية، وطابع شخصياتهم وأنماط سلوكاتهم وقيمهم وتقاليدهم.


أمّا كتاب ابن خلدون " العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر " فقد نال شهرة كبيرة وواسعة بسبب مقدّمته الرئيسة وعنوانه :" في العمران وذكر ما يعرض فيه من العوارض الذاتية من الملك والسلطان، والكسب والمعاش والصنائع والعلوم، وما لذلك من العلل والأسباب ". وتعتبر هذه المقدّمة عملاّ أصيلاً في تسجيل الحياة الاجتماعية لشعوب شمال أفريقيا، ولا سيّما العادات والتقاليد والعلاقات الاجتماعية، إلى جانب بعض المحاولات النظرية لتفسير كلّ ما رآه من أنظمة اجتماعية مختلفة.

ومن أهمّ الموضوعات التي تناولها ابن خلدون في مقدّمته، والتي لها صلة باهتمامات الأنثروبولوجيا، هي تلك العلاقة بين البيئة الجغرافية والظواهر الاجتماعية. فقد ردّ ابن خلدون – استناداً إلى تلك الدعامة – اختلاف البشر في ألوانهم وأمزجتهم النفسيّة وصفاتهم الجسمية والخلَقية، إلى البيئة الجغرافية التي اعتبرها أيضاً عاملاً هاماً في تحديد المستوى الحضاري للمجتمعات الإنسانية. وبلور نظرية (دورة العمران) بين البداوة والحضارة على أساس المماثلة بين حياة الجماعة البشرية وحياة الكائن الحي. ([7])

وقد سيطرت هذه الفكرة على أذهان علماء الاجتماع في الشرق والغرب – على حدّ سواء – في العصور الوسطى .. حيث اعتبر ابن خلدون أن التطوّر هو سنّة الحياة الاجتماعية، وهو الأساس الذي تستند إليه دراسة الظواهر الاجتماعية.‏

واستناداّ إلى ما تقدّم يمكن القول : إنّ الفلاسفة والمفكّرين العرب أسهموا بفاعلية – خلال العصور الوسطى- في معالجة كثير من الظواهر الاجتماعية التي يمكن أن تدخل في الاهتمامات الأنثروبولوجية، ولا سيّما التنوّع الثقافي (الحضاري) بين الشعوب، سواء بدراسة خصائص ثقافة أو حضارة بذاتها، أو بمقارنتها مع ثقافة أخرى.








المراجع المعتمد عليها

[1] - عيسى الشماس، مدخل الى الانثروبولوجيا، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق سوريا، 2004، ص 6.


[2] - أحمد أبو هلال، مقدّمة في الأنثروبولوجيا التعاونية، الأردن، 1974‏، ص 9.


[3] -علي الجباوي، الأنثروبولوجيا – علم الإناسة، جامعة دمشق،1997 ، ص9.


[4] - شاكر سليم، قاموس الأنثروبولوجيا، جامعة الكويت، 1981، ص 56.


[5] - حسين فهيم، قصّة الأنثروبولوجيا – فصول في تاريخ علم الإنسان، عالم المعرفة (98) ، الكويت ، 1986ص 50.‏


[6] - حسين فهيم، قصّة الأنثروبولوجيا – فصول في تاريخ علم الإنسان، عالم المعرفة (98) ، الكويت ، 1986ص 54.‏


[7] - مقدّمة ابن خلدون، تحقيق :علي عبد الواحد وافي، القاهرة، ج1، 1966، ص 291.

___________________________________________________
مدخل الى الأنثروبولوجيا Female11
لمياء
لمياء
اجتماعي
اجتماعي

انثى عدد الرسائل : 88
العمر : 36
تاريخ التسجيل : 13/01/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

default رد: مدخل الى الأنثروبولوجيا

مُساهمة من طرف لمياء السبت فبراير 23, 2008 2:09 pm

الأنثروبولوجيا في عصر النهضة الأوروبية‏

يتّفق المؤرّخون على أنّ عصر النهضة في أوربا، بدأ في نهاية القرن الرابع عشر الميلادي، حيث شرع الأوروبيون بعملية دراسة انتقائية للعلوم والمعارف الإغريقية والعربية ، مترافقة بحركة ريادية نشطة للاستكشافات الجغرافية. وتبع ذلك الانتقال من المنهج الفلسفي إلى المنهج العلمي التجريبي، في دراسة الظواهر الطبيعية والاجتماعية، والذي تبلور وتكامل في القرن السابع عشر .‏

إنّ هذه التغيّرات مجتمعة أدّت إلى ترسيخ عصر النهضة أو ما سمّي (عصر التنوير) وأسهمت بالتالي في بلورة الانثربولوجيا في نهاية القرن التاسع عشر، كعلم يدرس تطوّر الحضارة البشرية في إطارها العام وعبر التاريخ الإنساني. الأمر الذي استلزم توافر الموضوعات الوصفية عن ثقافات الشعوب وحضاراتها، في أوروبا وخارجها، من أجل المقارنات، والتعرّف إلى أساليب حياة هذه الشعوب وترتيبها بحسب مراحل تطوريّة معيّنة، بحيث يضع ذلك أساساً لنشأة علم الأنثروبولوجيا .‏

لعلّ أهمّ رحلة أو( رحلات) استكشافيّة مشهورة أثّرت في علم الأنثروبولوجيا، ما قام بها / كريستوف كولومبوس /إلى القارة الأمريكيـة ما بين (1492- 1502) حيث زخرت مذكّراته عن مشاهداته واحتكاكاته بسكان العالم الجديد، بالكثير من المعلومات والمعارف عن أساليب حياة تلك الشعوب وعاداتها وتقاليدها، اتّسمت بالموضوعية نتيجة للمشاهدة المباشرة .‏

وممّا قاله في وصف سكان جزر الكاريبيان في المحيط الأطلسي : " إنّ أهل تلك الجزركلّهم عراة تماماً، الرجال منهم والنساء، كما ولدتهم أمَّهاتهم. ومع ذلك، فثمّة بعض النساء اللواتي يغطين عورتهنّ بورق الشجر، أو قطعة من نسيج الألياف تصنع لهذا الغرض. ليست لديهم أسلحة ومواد من الحديد أو الصلب وهم لا يصلحون لاستخدامها على أيّة حال. ولا يرجع السبب في ذلك إلىضعف أجسادهم، وإنّما إلى كونهم خجلون ومسالمون بشكل يثير الإعجاب.. " Oswalt , 1972,p. 10) )‏

وكتب في وصفه لسكان أمريكا الأصليين : " إنّهم يتمتّعون بحسن الخَلق والخُلُق، وقوّة البنية الجسدية. كما أنّهم يشعرون بحرية التصرّف فيما يمتلكون، إلى حدّ أنّهم لا يتردّدون في إعطاء من يقصدهم أيّاً من ممتلكاتهم، علاوة على أنّهم يتقاسمون ما عندهم برضى وسرور .." (Boorstin,1983, p.628)‏

وهكذا كان لرحلات كولومبس واكتشافه العالم الجديد (أمريكا) عام 1492أثرها الكبير في إدخال أوروبا حقبة جديدة، وفي تغيير النظرة إلى الإنسان عامة، والإنسان الأوروبي خاصة، ممّا أثّر بالتالي في الفكر الأنثروبولوجي. وذلك، لأنّ هذه الاكتشافات الجغرافية / الاجتماعية وما تبعها من معرفة سكان هذه الأرض بميزاتهم وأنماط حياتهم، أظهرت بوضوح تنوّع الجنس البشري، وأثارت كثيراً من المسائل والدراسات حول قضايا النشوء والتطوّر عند الكائنات البشرية.‏

لقد تميّز عصر النهضة الأوربية، بظاهرة كان لها تأثير في توليد نظريات جديدة عن العالم والإنسان، وهي أنّ المفكّرين اتفقوا، على الرغم من تباين وجهات نظرهم، على مناهضة فلسفة العصور الوسطى اللاهوتية، التي أعاقت فضول العقل الإنساني إلى معرفة أصول الأشياء ومصادرها، وتكوين الطبيعة وقوانينها، وصفات الإنسان الجسدية والعقلية والأخلاقية. (فهيم، 1986،‏

ص86)‏

وظهر نتيجة لهذا الموقف الجديد اتّجاه لدراسة الإنسان، عرف بالمذهب الإنساني (العلمي) اقتضى دراسة الماضي من أجل فهم الحاضر، حيث اتّجهت دراسة الطبيعة الإنسانية وفهم ماهيتها وأبعادها وفق المراحل التاريخية/ التطوّرية للإنسان .‏

وقد تبلور هذا الاتّجاه (المذهب) العلمي في الدراسات التجريبية والرياضية، التي ظهرت في أعمال بعض علماء القرن السابع عشر، من أمثال: فرانسيس بيكون F.Becon (1561-1626) ورينيه ديكارت R.Decartes(1596-1650) واسحق نيوتن I. Newton (1642-1727)، وغيرهم. حيث أصبحت النظرة الجديدة للإنسان عل أنّه ظاهرة طبيعية، ويمكن دراسته من خلال البحث العلمي والمنهج التجريبي، ومعرفة القوانين التي تحكم مسيرة التطوّر الإنساني والتقدّم الاجتماعي .وهذا ما أسهم في تشكيل المنطلقات النظرية للفكر الاجتماعي، وأدّى بصورة تدريجية إلى بلورة البدايات النظرية للأنثروبولوجيا، خلال عصر التنوير .‏

أمّا بالنسبة للدراسات الأثنوجرافية (دراسة أسلوب الحياة والعادات والتقاليد) والدراسات الأثنولوجية (دراسة مقارنة لأساليب الحياة للوصول إلى نظرية النظم الاجتماعية )، والدراسات الأنثروبولوجية الاجتماعية، فثمةّ أعمال كثيرة قام بها العديد من العلماء .‏

وقد تكون محاولة الرحالة الإسباني (جوزيه آكوستا J. Acosta) في القرن السادس عشر، لربط ملاحظاته الشخصيّة عن السكان الأصليين في العالم الجديد ببعض الأفكار النظرية، المحاولة الأولى لتدوين المادة الأثنوجرافية والتنظير بشأنها.‏

فقد افترض آكوستا أنّ الهنود الحمر كانوا قد نزحوا أصلاً من آسيا إلى أمريكا، وبذلك فسّر اختلاف حضاراتهم عن تلك التي كانت سائدة في أوروبا حينذاك. وقدّم آكوستا أيضاً افتراضاً آخر حول تطوّر الحضارة الإنسانية عبر مراحل معيّنة، معتمداً في تصنيفه على أساس معرفة الشعوب القراءة والكتابة.‏

وقد وقفت أوروبا في أعلى الترتيب، وأتت بعدها الصين في المرتبة الثانية لمعرفتها الكتابة، بينما جاءت المكسيك في مرتبة أدنى من ذلك .. وصنّفت المجتمعات الأخرى بدرجات متباينة في المواقع الأدنى من هذا الترتيب. Darnell,1978,p.81)) وربّما شكّل هذا التصنيف أساساً استند إليه الأنثروبولوجيون – فيما بعد- للتمييز بين المجتمعات .‏

وظهر إلى جانب آكوستا / الإسباني في الدراسة الأثنوجرافية عن الشعوب البدائية، عالم الاجتماع الفرنسي، ميشيل دي مونتاني M.De. Montaigne الذي عاش ما بين (1532-1592) وأجرى مقابلات مع مجموعات من السكان الأصليين في أمريكا المكتشفة، والذين أحضرهم بعض المكتشفين إلى أوربا. وبعد إن جمع منهم المعلومات عن العادات والتقاليد السائدة في موطنهم الأصلي، خرج بالمقولة التالية : " إنّه لكي يفهم العالم فهماً جيّداً، لا بدّ من دراسة التنوّع الحضاري للمجتمعات البشرية واستقصاء أسباب هذا التنوّع " ويكون بذلك قد طرح فكرة (النسبية الأخلاقية).‏

وممّا قاله في هذا الإطار ما كتبه في مقاله الشهير عن " أكلة لحوم البشر " وجاء فيه : " يبدو أنّ ليس لدينا أي معيار للحقيقة والصواب، إلاّ في إطار ما نجده سائداً من آراء وعادات على الأرض التي نعيش عليها (أوروبا)، حيث نعتقد بوجود أكمل الديانات، وأكثر الطرائق فاعلية في الحصول على الأشياء .‏

إنّ هؤلاء الناس (أكلة لحوم البشر) فطريون / طبيعيون، مثل الفاكهة البريّة. فقد بقوا على حالهم البسيطة، كما شكّلتهم الطبيعة بطريقتها الخاصة، وتحكّمت فيهم قوانينها وسيّرتهم ." Leach,1982,p.67)) ومن هذه الرؤية، لاقى كتابه الشهير " المقالات " الصادر عام 1579، اهتماماً كبيراً لدى مؤرخي الفكر الأوروبي عامة، والفكر الفرنسي خاصة .‏

ويأتي القرن الثامن عشر، ليحمل معه كتابات جان جاك روسو J.J. Rossow، التي احتلّت أهميّة كبيرة لدى مؤرّخي علم الأنثروبولوجيا، وذلك بالنظر لما تضمنته في دراستها الأثنوجرافية للشعوب المكتشفة (المجتمعات البدائية) مقارنة مع المجتمعات الغربية / الأوروبية .‏

لقد تميّزت وجهة النظر الأنثروبولوجية عند روسّو بالتجرّد والموضوعية، حيث تجلّى ذلك في نقد بعض القيم والجوانب الثقافية في مجتمعه الفرنسي، مقابل استحسان بعض الطرائق الحياتية في المجتمعات الأخرى. وفي هذا الإطار، يعدّ كتابه " العقد الاجتماعي" من البواكير الأولى للفكر الأنثروبولوجي.‏

وكان إلى جانب روسّو، البارون دي مونتسكييه، الذي وضع كتاب (روح القوانين) وأوضح فيه فكرة الترابط الوظيفي بين القوانين والعادات والتقاليد والبيئة. وسادت هذه الفكرة الترابطية في أعمال الأنثروبولوجين في أوائل القرن العشرين، ولا سيّما عند الأنثروبولوجيين الإنجليز، حيث انتقل اهتمام مونتسكييه بدراسة النظم السياسية، وتأثير المناخ على نوعيّة الحضارة أو الثقافة – فيما بعد – إلى الكتابات الأنثروبولوجية، وشكّل مجالاً واسعاً للدراسات الأنثروبولوجية Darnell,1978, p.87)).‏

أمّا في ألمانيا، فقد تبلور الفكر في عصر التنوير، عن التفوّق العنصري والنزعة القوميّة الشوفينيّة (التعصبيّة ). وظهر ذلك واضحاً في كتابات كلّ من / جورج هيجل (1770-1831) وجوهان فخته (1762-1814)، حيث جعلا الشعب الألماني، الشعب الأمثل والأنقى بين شعوب العالم .‏

أمّا كتابات جوهان هيردر (1744-1803) فجاءت لتعزّز فكرة التمايز بين السلالات البشرية من ناحية التركيب الجسمي، والتفاوت فيما بينها بمدى التأثّر بمظاهر المدنية، وفي تمثّلها لمقوّمات الحضارة. وعلى هذا الأساس، يذهب هيردر إلى أنّ ثمّة سلالات بشرية خلقت للرقي، وسلالات أخرى قضي عليها بالتأخّر والانحطاط .( الخشاب، 1970، ص375 ).‏

لكن هذا الاتجاه العنصري في الدراسات الأنثربولوجية، واجه انتقادات كبيرة في بداية القرن العشرين ، حيث برزت فكرة أنّه لا يجوز أن تتّخذ اللغة كأساس أو دليل على الانتماء إلى أصل سلالي واحد، وأنّ العلاقة بين الجنس البشري واللغة، لا يجوز أن تكون أساساً لتقسيم الشعوب الإنسانية إلى سلالات متمايزة. وقد نقض ذلك ودحضه، فيما بعد، الفكر الأنثروبولوجي القائم على المشاهدة الواقعية، والدراسة الميدانية المقارنة لمجتمعات الشعوب الأخرى .‏

وهنا يمكن القول : إنّ الأنثروبولوجيا المتحرّرة التي ظهرت اتّجاهاتها وقضاياها الانسانية، منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، تجد – ولا شكّ - في الكتابات الفرنسية في عصر التنوير، جذوراً أو أصولاً نظرية لمنطلقاتها الفكرية .( فهيم، 1986، ص101).‏

وتأسيساً على ما تقدّم، يمكن القول : إنّ الفكر الأنثروبولوجي الذي ساد أوروبا في عصر التنوير، وتجلّى في كتابات العديد من الفلاسفة والباحثين والمؤرّخين، شكّل الملامح النظرية الأولى لعلم الأنثروبولوجيا، الذي بدأ يستقل بذاته مع بدايات القرن العشرين، ويتبلور بمنطلقاته وأهدافه في النصف الثاني من القرن ذاته.‏

___________________________________________________
مدخل الى الأنثروبولوجيا Female11
لمياء
لمياء
اجتماعي
اجتماعي

انثى عدد الرسائل : 88
العمر : 36
تاريخ التسجيل : 13/01/2008

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى